عرفان الداوودي
بعد أكثر من عشرين عامًا على التغيير، يحق للشعب العراقي أن يرفع صوته عاليًا: أين ذهبت مئات المليارات من الدولارات التي دخلت خزينة الدولة؟ ولماذا ما زال العراقي يعيش أزمة الكهرباء، وشح مياه الشرب، ونقص الكاز والغاز، وسوء خدمات البلديات، وانهيار القطاع الصحي، والبطالة، والفقر، وتردي التعليم، بينما تتضخم رواتب وامتيازات كبار المسؤولين عامًا بعد آخر؟
إن الدستور العراقي جعل الشعب مصدر السلطات، ولم يجعل السلطة مصدرًا للامتيازات. والقوانين وُجدت لحماية المال العام، لا لتحويل المناصب إلى أبواب مفتوحة للرواتب التقاعدية والمخصصات والحمايات والأساطيل والمكاتب الفارهة.
أي دولة هذه التي يُطلب فيها من المواطن أن يصبر على انقطاع الكهرباء، وارتفاع درجات الحرارة، وأزمات البنزين والكاز والغاز، وتدهور المستشفيات، ورداءة خدمات البلديات، في الوقت الذي تُصرف فيه مليارات الدنانير على الامتيازات الخاصة، والحمايات، والمستشارين، والمكاتب، والسفر والإيفادات؟
ومن حق العراقيين أن يتساءلوا أيضًا:
كم يبلغ العدد الحقيقي لموظفي الرئاسات الثلاث؟
وكم تنفق الدولة سنويًا على الحمايات والمخصصات؟
وكم عدد المستشارين؟
وكم عدد الفضائيات والمؤسسات الإعلامية التي تُموَّل بصورة مباشرة أو غير مباشرة من المال العام أو من أموال الأحزاب والجهات النافذة، بينما تعجز الدولة عن توفير أبسط الخدمات للمواطن؟
إن مكافحة الفساد لا تبدأ باعتقال موظف صغير، بل تبدأ بإلغاء الامتيازات غير المبررة، وفتح جميع ملفات الإنفاق أمام الشعب، وإخضاع الرئاسات الثلاث، والبرلمان، والوزارات، والهيئات المستقلة، إلى أعلى درجات الشفافية والرقابة والمساءلة.
لقد تعب العراقيون من الشعارات، ولم يعودوا يريدون خطابات عن الإصلاح، بل يريدون إصلاحًا يبدأ من قمة هرم السلطة. فالدولة التي تعجز عن توفير الكهرباء، والكاز، والغاز، والماء الصالح للشرب، والخدمات البلدية، والعلاج الكريم، لا يمكن أن تبرر استمرار الامتيازات الخيالية لكبار المسؤولين.
إن المال العام ليس إرثًا سياسيًا، ولا غنيمة انتخابية، ولا مكافأة لمن يتولى المنصب. إنه حق للأرملة، واليتيم، والعاطل عن العمل، والجندي، والموظف، والمتقاعد، ولكل مواطن عراقي.
وليعلم الجميع أن التاريخ لا يخلّد أصحاب الامتيازات، بل يخلّد من صان المال العام، وأقام العدل، ووضع مصلحة الوطن فوق كل مصلحة.
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.
وسيأتي يوم يُسأل فيه كل من بدّد دينارًا من أموال العراقيين، أو شرّع امتيازًا على حساب قوت الفقراء، أمام القضاء العادل في الدنيا، وأمام عدالة الله التي لا يغيب عنها شيء.