علي حميد الطائي
لم يعد الاستثمار في عالم اليوم يبحث عن الموارد الطبيعية وحدها ولا عن حجم السوق أو كثافة السكان أو حتى عن الإعفاءات الضريبية بقدر ما أصبح يبحث عن بيئة يشعر فيها المستثمر أن قراره سيكون آمناً وأن أمواله ستعمل ضمن إطار مستقر وواضح ويمكن التنبؤ به ولهذا فإن أول ما يراقبه المستثمر عند تشكيل أي حكومة جديدة ليس حجم الوعود التي تطلقها وإنما طبيعة القرارات التي تتخذها ومدى انسجامها مع رؤية اقتصادية متماسكة قادرة على الاستمرار.
ومع انطلاق عمل الحكومة الجديدة كان من الواضح أن ملف الاستثمار يحظى باهتمام كبير فقد تكرر الحديث عنه في أكثر من مناسبة وبدأت تصدر قرارات تتصل بهذا القطاع بما يعكس رغبة في تحريك عجلة التنمية وإعادة رسم ملامح المرحلة المقبلة وهذا بحد ذاته يمثل رسالة يلتقطها المستثمر سريعاً لأن رأس المال بطبيعته يقرأ الاتجاهات قبل أن يقرأ التفاصيل ويهتم بما تعكسه القرارات من مؤشرات أكثر من اهتمامه بالقرار المجرد.
إن القرار السياسي لا يقتصر على كونه إجراءً حكومياً يصدر لمعالجة قضية معينة وإنما يمثل في نظر المستثمر إعلاناً عن فلسفة الدولة في إدارة الاقتصاد وعن الكيفية التي ستتعامل بها مع القطاع الخاص خلال السنوات المقبلة فكل قرار يصدر يحمل رسالة قد تعزز الثقة وقد تدفع إلى التريث وقد تفتح الباب أمام فرص جديدة أو تثير تساؤلات تحتاج إلى إجابات واضحة.
ولهذا فإن الدول التي نجحت في استقطاب الاستثمارات لم تحقق ذلك لأنها قدمت الحوافز الأكبر وإنما لأنها استطاعت أن تبني سمعة راسخة بأن قراراتها مستقرة وأن سياساتها لا تتغير بصورة مفاجئة وأن المستثمر يستطيع أن يضع خططه لسنوات طويلة وهو مطمئن لأن قواعد اللعبة لن تتبدل كلما تغيرت الظروف أو تبدلت الإدارات.
إن رأس المال بطبيعته لا يخشى القرارات الصعبة إذا كانت واضحة ومفهومة ومبنية على رؤية معلنة لكنه يتردد كثيراً أمام البيئة التي يغيب فيها وضوح الاتجاه أو تتعدد فيها الرسائل أو تتباين فيها المواقف بين مؤسسة وأخرى فالمستثمر يستطيع أن يحتسب الكلفة وأن يكيف دراساته المالية مع مختلف الظروف لكنه لا يستطيع أن يبني مشروعاً ناجحاً في بيئة يصعب فيها توقع مسار القرار العام.
ومن هنا فإن بناء الثقة لا يتحقق بقرار واحد ولا بمؤتمر اقتصادي ولا بحملة إعلامية مهما كانت واسعة وإنما هو عملية تراكمية تبدأ منذ اليوم الأول لعمل الحكومة وتستمر مع كل قرار يصدر عنها فكلما لمس المستثمر أن الدولة تتحرك وفق رؤية ثابتة وأن قراراتها تصدر ضمن إطار مؤسسي واضح ازدادت قناعته بأن هذه البيئة تستحق أن يغامر فيها برأس ماله.
ولعل من المهم أن ندرك أن المستثمر لا ينظر إلى القرار منفصلاً عن سياقه فهو يقرأ الخطاب الحكومي ويقارن بينه وبين التطبيق ويراقب مدى الانسجام بين المؤسسات المختلفة ويقيس قدرة الدولة على تنفيذ ما تعلنه من برامج وخطط ولذلك فإن الثقة لا تصنعها الكلمات وحدها وإنما تصنعها الممارسة اليومية والالتزام المستمر بما تعلنه الحكومة من أولويات.
ويمتلك العراق اليوم فرصة حقيقية لتعزيز هذه الثقة لما يملكه من مقومات اقتصادية كبيرة تتمثل في موقعه الجغرافي وموارده الطبيعية وسوقه الواسعة وحاجته إلى مشاريع استثمارية في مختلف القطاعات غير أن هذه المقومات تحتاج إلى عنصر حاسم يجعلها أكثر جاذبية وهو استقرار القرار السياسي ووضوح الرؤية الاقتصادية لأن وفرة الفرص وحدها لا تكفي إذا لم تقترن ببيئة تمنح المستثمر الطمأنينة.
ولا ينبغي أن تقتصر الثقة الاستثمارية على العلاقة بين الحكومة والمستثمر فحسب بل يجب أن تمتد إلى مختلف مفاصل الدولة ذات الصلة بالنشاط الاقتصادي فكلما اتسمت الإجراءات بالوضوح وتكاملت الأدوار بين المؤسسات وصدرت القرارات بروح واحدة ازدادت قناعة المستثمر بأن البيئة الاستثمارية تسير وفق منهج مؤسسي لا يخضع للاجتهادات المتباينة وهذه القناعة هي التي تدفع رأس المال إلى الانتقال من مرحلة المراقبة إلى مرحلة التنفيذ لأن المستثمر حين يشعر بأن الدولة تتحدث بصوت واحد يصبح أكثر استعداداً لاتخاذ قرار الاستثمار والمضي في تنفيذ مشاريعه بثقة واستقرار.
كما أن المنافسة بين الدول على جذب الاستثمارات أصبحت أكثر شدة من أي وقت مضى فالدول لا تتنافس اليوم على تقديم الحوافز فحسب وإنما تتنافس أيضاً على بناء السمعة الاستثمارية وعلى ترسيخ صورة الدولة التي تحترم تعهداتها وتحافظ على استقرار سياساتها وتدير التغيير بطريقة مدروسة لا تربك الأسواق ولا تفاجئ المستثمرين.
ومن هذا المنطلق فإن الاهتمام الذي تبديه الحكومة الجديدة بملف الاستثمار يمثل خطوة مهمة يمكن البناء عليها إذا ما رافقته سياسة ثابتة ورسائل واضحة واستمرار في تطوير البيئة الاستثمارية ضمن رؤية طويلة الأمد لأن المستثمر لا يبحث عن قرار يمنحه امتيازاً مؤقتاً بقدر ما يبحث عن دولة تمنحه الثقة بأن المستقبل سيكون أكثر وضوحاً من الحاضر.
ولعلنا بحاجة اليوم إلى الانتقال من مرحلة الحديث عن جذب المستثمر إلى مرحلة بناء ثقته لأن الاستثمار يبدأ دائماً من الثقة قبل أن يبدأ من رأس المال وعندما يطمئن المستثمر إلى أن القرار السياسي يتسم بالاستقرار والوضوح والاتساق فإنه سيجد في العراق بيئة تستحق أن تكون وجهة لاستثماراته وأن تكون شريكاً في تحقيق التنمية الاقتصادية التي يتطلع إليها الجميع.