النجاح الذي قد يقود إلى الفشل

نوري جاسم

ليس كل نجاحٍ نجاحًا حقيقيًا، فهناك نجاحٌ يصفق له الناس، لكنه يترك صاحبه أكثر فقرًا من الداخل. وهناك نجاحٌ يرفع الاسم، لكنه يُسقط القيم. وهناك نجاحٌ يملأ الحسابات، لكنه يفرغ القلب من الطمأنينة. ولقد أصبح مفهوم النجاح في زماننا مرتبطًا بالشهرة والمال والمناصب وعدد المتابعين، حتى ظن كثيرون أن الإنسان الناجح هو من يملك أكثر، لا من يكون أفضل. وهنا تبدأ المفارقة؛ لأن النجاح الذي يفقد الإنسان إنسانيته ليس نجاحًا، بل صورة أخرى من صور الفشل.كم من مسؤولٍ وصل إلى أعلى المناصب، لكنه خسر احترام الناس. وكم من تاجرٍ جمع ثروةً طائلة، لكنه فقد راحة البال. وكم من مشهورٍ عرفه الملايين، لكنه عاش وحيدًا يبحث عن السكينة التي لم تمنحها له الأضواء. وإن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تصل إليه، بل بما تبقى عليه وأنت تصل. فإذا خسرت أخلاقك في طريق الصعود، فقد دفعت ثمنًا أكبر من أي مكسب. وإذا تنازلت عن مبادئك لتربح موقعًا أو شهرة، فإنك تكون قد ربحت المعركة وخسرت نفسك. ولذلك فإن التاريخ لا يخلّد أصحاب الأموال بقدر ما يخلّد أصحاب المبادئ. فالناس قد تعجب بالقوة، لكنها لا تحترم إلا النزاهة، وقد تنبهر بالثراء، لكنها لا تنسى صاحب الخلق الكريم والأثر الطيب. وإن أخطر أنواع النجاح هو ذلك الذي يصنع الغرور. فالغرور يجعل الإنسان يظن أنه وصل إلى القمة، فيتوقف عن التعلم، ويرفض النصيحة، ويستصغر الآخرين، وعندها يبدأ سقوطه الحقيقي. وما أكثر الذين هزمهم نجاحهم، لأنهم اعتقدوا أنه نهاية الطريق، بينما كان في الحقيقة بداية الامتحان. وإن النجاح ليس محطةً للراحة، بل مسؤولية أكبر. فكلما ارتفع الإنسان، ازدادت حاجته إلى التواضع، لأن الأغصان المثمرة هي التي تنحني، أما اليابسة فلا تعرف إلا التكبر حتى تنكسر. وليس النجاح أن تجمع الناس حول اسمك، بل أن تجمعهم حول قيمك. وليس النجاح أن يصفق لك الناس اليوم، بل أن يدعوا لك غدًا، وأن يبقى أثرك بعد أن يغيب صوت التصفيق. ومن الحكمة أن يسأل الإنسان نفسه بين حين وآخر: هل أنا أتقدم في حياتي، أم أبتعد عن نفسي؟ هل أصبحت أكثر رحمةً وعدلًا وصدقًا، أم أن نجاحي غيّرني إلى الأسوأ؟ فهذه الأسئلة هي التي تحمي الإنسان من أن يتحول النجاح إلى بداية الفشل. وإن أعظم نجاح يمكن أن يحققه الإنسان هو أن يخرج من هذه الدنيا وقد حافظ على دينه، وكرامته، وأمانته، ومحبة الناس له، وأن يترك وراءه أثرًا نافعًا وكلمةً طيبة وسيرةً حسنة. فذلك هو النجاح الذي لا يزول بزوال المناصب، ولا ينتهي بانتهاء العمر.
فالنجاح الحقيقي ليس فيما تملك، بل فيما تكون، وليس فيما تجمع، بل فيما تمنح، وليس فيما يقال عنك، بل فيما يشهد به عملك وأخلاقك.
وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

قد يعجبك ايضا