حين تصبح ملفات الفساد قوة للدولة لا ورقةً في يد السياسة

محمد علي الحيدري

ليست كل أدوات القوة في الدولة دبابات وصواريخ وتحالفات دولية. ففي أحيان كثيرة، تكون الوثيقة الرسمية أخطر من الرصاصة، ويكون ملف الفساد المكتمل بالأدلة أكثر تأثيراً من خطاب سياسي صاخب. ولهذا لم يعد الفساد في الدول الحديثة مجرد جريمة مالية، بل تحول إلى أحد أهم مفاتيح إعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام السياسي.

في العراق، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فمنذ عام 2003 تراكمت ملفات تتعلق بعقود عامة، ومشاريع متعثرة، ومال عام مهدور، واستغلال للسلطة والنفوذ، حتى بات الحديث عن وجود ملفات كبيرة داخل المؤسسات الرقابية والقضائية جزءاً من الخطاب السياسي والإعلامي اليومي. لكن المشكلة لم تكن يوماً في الحديث عن وجود الملفات، وإنما في السؤال الذي ظل معلقاً: متى تتحول هذه الملفات من أرشيف للدولة إلى أدوات للعدالة؟

هنا تبرز معادلة سياسية تستحق التأمل. فكل مسؤول أو زعيم سياسي يدرك أن القانون قد يطرق بابه يوماً، يصبح أكثر حذراً في إدارة خلافاته مع الدولة. وليس المقصود هنا الخضوع لشخص رئيس الوزراء، بل الخضوع لهيبة المؤسسات عندما تعمل باستقلال وتجرد. فالفارق كبير بين دولة تستخدم القانون لبسط سيادتها، ودولة تستخدم الملفات لإدارة صراعاتها.

ولا يخفى على المتابعين أن الأوساط السياسية تتداول منذ سنوات وجود ملفات شديدة الحساسية تمس شخصيات نافذة، بعضها يتعلق بالمال العام، وبعضها بقرارات إدارية أو عقود أو تضخم غير مبرر في الثروات. غير أن تداول هذه الأحاديث، مهما اتسع، لا يغني عن الدليل القضائي، ولا يجوز أن يتحول إلى بديل عن المحاكمة العادلة. فالعدالة لا تبنى على الشائعات، كما أنها لا تستقيم مع الصمت الدائم.

ولو افترضنا أن هذه الملفات انتقلت من مرحلة التداول إلى مرحلة التحقيق المهني والقضاء المستقل، فإن المشهد السياسي العراقي سيتغير بصورة جوهرية. فالقائد السياسي الذي يشعر أن القانون قد يطاله إذا تجاوز حدوده، سيعيد حساباته قبل أن يهدد الدولة أو يعطل مؤسساتها أو يفرض شروطه على السلطة التنفيذية. عندئذ لن يكون مصدر قوة رئيس الوزراء شخصه، ولا حجم كتلته السياسية، وإنما قوة الدولة التي تقف خلفه.

ومن هنا، قد يكون أكبر خطأ ترتكبه أي حكومة هو التعامل مع ملفات الفساد باعتبارها أوراق مساومة. فالملف الذي يفتح لإسكات خصم، ويغلق لإرضاء حليف، لا يصنع دولة، بل يكرس ثقافة الإفلات من العقاب. أما الملف الذي يسير في طريق القضاء، مهما كان اسم صاحبه أو انتماؤه، فإنه يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها أن القانون لم يعد انتقائياً.

إن استقلال رئيس الوزراء عن ضغوط القوى السياسية لا يتحقق بمجرد امتلاكه الصلاحيات الدستورية، بل بقدرته على جعل القانون هو السقف الذي يقف الجميع تحته. فعندما يدرك السياسيون أن المؤسسات الرقابية والقضائية تعمل وفق معايير واحدة، وأن لا أحد يمتلك حصانة دائمة، تتراجع لغة الابتزاز السياسي تلقائياً، لأن كلفة الصدام مع الدولة تصبح أعلى من مكاسبه.

والسؤال الحقيقي ليس إن كانت لدى الدولة ملفات خطيرة، فوجود مثل هذه الملفات تتحدث عنه الأوساط السياسية والإعلامية منذ سنوات، وإنما: هل توجد إرادة لتحويلها إلى أحكام قضائية عادلة؟ وهل تستطيع الدولة أن تثبت أن مكافحة الفساد مشروع لبناء النظام، لا وسيلة لإعادة توزيع النفوذ؟

العراق اليوم لا يحتاج إلى المزيد من التصريحات عن محاربة الفساد، فقد امتلأت بها المنابر والبرامج الحكومية. إنه يحتاج إلى مشهد واحد يرسخ الثقة: أن يمثل كل من تثبت بحقه الأدلة أمام قضاء مستقل، بصرف النظر عن اسمه أو منصبه أو كتلته أو علاقاته.

عندها فقط ستتحرر السلطة التنفيذية من جزء كبير من الضغوط التي مارستها عليها مراكز النفوذ لسنوات طويلة. ليس لأن رئيس الوزراء أصبح أقوى من خصومه، بل لأن الدولة نفسها أصبحت أقوى من الجميع، ولأن هيبة القانون، إذا استيقظت حقاً، لا تحتاج إلى ضجيج كي تُسمع، ولا إلى استعراض كي تُهاب.

قد يعجبك ايضا