نبيل عبد الأمير الربيعي
كلما أعلنت الجهات المختصة عن العثور على ملايين الدولارات مخبأة في منزل مسؤول أو سياسي، يتعامل البعض مع الحدث وكأنه انتصار نهائي على الفساد. والحقيقة أن العثور على الأموال ليس سوى رأس جبل الجليد، أما ما يختبئ تحته فهو الأخطر والأعمق.
فالمال العام لا يتحول إلى ثروات شخصية بالمصادفة، ولا تُكدَّس ملايين الدولارات في البيوت والخزائن دون أن تمر عبر شبكة من المتنفذين والوسطاء والمستفيدين، ودون أن تجد من يوفر لها الغطاء السياسي أو الإداري أو القانوني. لذلك فإن الاكتفاء بالإعلان عن ضبط الأموال، من دون كشف الشبكات التي أنتجت الفساد وحمته، لا يحقق العدالة، بل يترك الباب مفتوحًا لتكرار الجريمة.
إن السؤال الذي ينتظره العراقيون ليس: كم عثرتم من الأموال؟ بل: من أين جاءت؟ ومن سرقها؟ ومن سهّل نهبها؟ ومن وفر الحماية للفاسدين طوال هذه السنوات؟ وهل ستصل التحقيقات إلى جميع المتورطين، أم أنها ستتوقف عند حدود أشخاص أصبحوا الحلقة الأضعف في معادلة النفوذ؟
لقد أنهك الفساد الدولة، واستنزف ثرواتها، وبدّد فرص أجيال كاملة في التعليم والصحة والإسكان والعمل. وكل دينار سُرق من خزينة الدولة كان يعني مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى لم يُجهَّز، وطريقًا بقي متهالكًا، وشابًا حُرم من فرصة عمل، وأسرةً أُجبرت على دفع ثمن سوء الإدارة والنهب المنظم.
وإذا كانت الدولة جادة في استعادة ثقة المواطنين، فإن عليها أن تتجاوز استعراض الأموال أمام عدسات الكاميرات إلى إعلان الحقائق كاملة، بشفافية لا تعرف الانتقائية، وأن تكشف للرأي العام حجم الأموال المستردة، وكيف ستعود إلى خزينة الدولة، وأين ستُنفق، وما الضمانات التي تمنع إعادة إنتاج الفساد بأسماء جديدة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول ملفات الفساد إلى مادة إعلامية عابرة، تُستخدم لتصفية الحسابات السياسية، بينما تبقى البنية التي أنتجت الفساد على حالها. فالمعركة ليست مع أفراد، بل مع منظومة كاملة اعتاشت على المال العام، ورسخت ثقافة الإفلات من العقاب.
إن العراقيين لا ينتظرون بطولات إعلامية، بل ينتظرون دولة قانون لا تميّز بين مسؤول وآخر، ولا تمنح حصانة لمن أفسد أو نهب أو تستر على الفساد. فالدولة القوية تُقاس بقدرتها على محاسبة أصحاب النفوذ قبل محاسبة صغار الموظفين.
إن استعادة الأموال ليست نهاية الطريق، بل بدايته. أما النهاية التي يستحقها العراقيون، فهي كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تورط، واسترداد كل دينار منهوب، وتحويله إلى مشاريع وخدمات تعيد للمواطن ثقته بدولته. عندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ يربح معركته الحقيقية ضد الفساد، لا لأنه وجد الأموال، بل لأنه استعاد هيبة القانون وكرامة الوطن.