ماهين شيخاني
حين وثّق مستشرق ألماني الوجود الكوردي في ماردين قبل أكثر من 160 عاماً
في زمنٍ أصبحت فيه الروايات المتناقضة تتنازع تاريخ المنطقة، تبقى الوثائق الأصلية والشهادات المعاصرة للأحداث أكثر قدرة على حسم الجدل من الخطابات السياسية المتأخرة. ومن بين تلك الشهادات يبرز كتاب «رحلات في الشرق» (Reisen im Orient) للمستشرق والرحالة الألماني يوليوس هاينريش بيترمان، بوصفه واحداً من أهم المصادر الأوروبية التي وثّقت الواقع السكاني والعشائري في كوردستان والجزيرة وديار بكر خلال القرن التاسع عشر.
نُشر هذا العمل في برلين بين عامي 1860 و1865، بعد رحلة ميدانية قام بها بيترمان إلى المنطقة، فلم يكتب اعتماداً على الروايات المنقولة، بل دوّن ما شاهده بنفسه، وسجّل أسماء المدن والقبائل والقرى والبنية الاجتماعية كما كانت قائمة في عصره. ولهذا السبب يكتسب كتابه قيمة توثيقية كبيرة لدى الباحثين في تاريخ كوردستان والأناضول.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذا المصدر أن المؤلف يصف سنجق ماردين بوصفه فضاءً واسعاً يضم نحو ألفي قرية، وهو رقم يتوافق إلى حد كبير مع ما تذكره سجلات التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر، ويعكس الكثافة السكانية والعشائرية التي عُرفت بها المنطقة قبل قيام الحدود الحديثة.
والأهم من ذلك أن بيترمان يورد قائمة طويلة بالقبائل الكوردية التي كانت تشكل النسيج الاجتماعي لسنجق ماردين والجزيرة، ومن بينها:
الملية (Milli).
الدنبلية (Dumbuli).
الشيخانية.
السوركية.
كيكان (Kikan).
الدقورية.
العمريان (Ömeryan).
الموقرية.
عليان.
إلى جانب قبائل كوردية أخرى، مع الإشارة أيضاً إلى وجود قبائل عربية مثل طي في مناطق الخابور ونصيبين.
إن أهمية هذه القائمة لا تكمن في تعداد الأسماء فحسب، بل في أنها تمثل شهادة أوروبية مستقلة تؤكد الحضور التاريخي للعشائر الكوردية في المنطقة قبل عقود طويلة من انهيار الدولة العثمانية، وقبل رسم الحدود السياسية التي قسمت الجغرافيا الكوردية بين عدة دول.
ومن بين هذه القبائل تبرز عشيرة كيكان (Kikan)، التي يذكرها بيترمان بالاسم، وهو ما يعد من أهم الأدلة التاريخية الأوروبية على وجودها في برية ماردين خلال القرن التاسع عشر. وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في الدراسات التي تتناول تاريخ كيكان وانتشارها لاحقاً في مناطق الدرباسية ورأس العين والجزيرة السورية، إذ تؤكد أن وجودها يسبق نشوء المدن الحديثة والحدود الدولية.
كما أن بيترمان يستخدم اسم «ميردين» (Merdin)، وهو الاسم الكوردي المعروف لمدينة ماردين، الأمر الذي يعكس تداول هذه التسمية في ذلك العصر، ويمنح الباحثين دليلاً لغوياً إضافياً على حضور الاسم الكوردي في المصادر الأوروبية.
ومع ذلك، فإن القراءة الأكاديمية لهذا المصدر تقتضي قدراً من الحذر. فالقائمة التي يوردها بيترمان تجمع بين القبائل والأقضية والنواحي والمواضع الجغرافية في سياق واحد، ولذلك لا يجوز التعامل مع جميع الأسماء على أنها أسماء قبائل. فمدن مثل نصيبين ودارا وعين مشمش ودُنيسر (قزل تبه) هي مواضع جغرافية أو وحدات إدارية، وليست عشائر. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى النص الألماني الأصلي لفهم التصنيف الذي اعتمده المؤلف وعدم الوقوع في الخلط بين الجغرافيا والبنية العشائرية.
إن كتاب بيترمان لا يمنحنا مجرد قائمة بأسماء القبائل، بل يقدّم صورة حيّة عن مجتمع كوردستان الجنوبية الغربية قبل أكثر من قرن ونصف، حين كانت العشائر تشكل الإطار الاجتماعي الرئيس، وكانت برية ماردين تمتد في فضاء جغرافي مفتوح سبق الحدود التي رسمتها اتفاقيات القرن العشرين.
واليوم، وبعد أكثر من 160 عاماً على صدور هذا الكتاب، لا تزال شهادة بيترمان تذكّرنا بحقيقة أساسية: إن التاريخ لا يُكتب بالروايات المتأخرة وحدها، بل تُثبته أيضاً شهادات الرحالة والوثائق والسجلات التي دوّنت الواقع كما كان. ولهذا يبقى كتاب «رحلات في الشرق» أحد المصادر المرجعية التي لا غنى عنها لكل باحث في تاريخ ماردين، والجزيرة، والعشائر الكوردية، وفي مقدمتها عشيرة كيكان.