منظومات الفساد: استرداد الأموال والعقوبات الرادعة

إعداد ـ التآخي

أثار مجلس القضاء الأعلى في العراق جدلا، بعدما قال في بيان إن المتهمين بقضايا فساد قد يستفيدون من تخفيف الإجراءات القانونية أو العقوبات إذا أعادوا الأموال العامة طوعا، ضمن ما يسمح به الدستور والقانون. يأتي هذا في وقت يطالب الرأي العام العراقي بمعاقبة المسؤولين الفاسدين الذين يقبض عليهم بأقسى العقوبات، فهل أن إجراءات القضاء العراقي تصلح مع جرائم كبرى يكشف عنها، تؤثر على مستقبل العراق وبنائه تتعلق بنهب المال العام؟

إن التساؤل يمس جوهر التحدي في مواجهة الفساد المؤسسي في العراق، ويضعنا أمام مفارقة قانونية وأخلاقية معقدة: الموازنة بين استرداد الأموال العامة المنهوبة وبين تحقيق العدالة الرادعة التي يطالب بها الشارع. ولتحليل مدى صلاحية هذه الإجراءات القضائية في معالجة الجرائم الكبرى التي تهدد مستقبل الدولة، يمكننا تفكيك المشهد من عدة زوايا تحليلية. منطق “العدالة التصالحية” (استرداد الأموال)، يعتمد القضاء في توجهه هذا على ما يعرف في بعض الأنظمة القانونية بـ “العدالة التصالحية” أو “اتفاقات الإقرار بالذنب”، وهدفها الأساس ليس العقاب فحسب، بل تحقيق مصلحة الدولة المالية فيما يعرف بـتحدي الزمن، اي استرداد الأموال عبر المسارات القضائية التقليدية (التي قد تستغرق سنوات أو عقودا، بخاصة إذا كانت الأموال مهربة للخارج) وهو مسار طويل ومكلف.

يرى المدافعون عن هذا التوجه أن استعادة جزء من المال العام فورا أفضل للدولة من بقاء الفاسد في السجن مع ضياع الأموال نهائيا. غير ان ذلك يتعارض مع إشكالية “الردع” و”العدالة العقابية”، اذ يواجه هذا التوجه انتقادات حادة من الرأي العام والخبراء القانونيين لعدة أسباب جوهرية في مقدمتها تشجيع الفساد ذ يخشى كثيرون أن تتحول هذه الإجراءات إلى “ضريبة فساد”؛ أي أن المسؤول قد يرى الفساد استثمارامربحا، فإذا كُشف أمره، يعيد جزءا من المال ويفلت من العقاب الرادع، مما يفرغ القانون من هيبته.

كما يتعرض ذلك الى انتقائية التطبيق فهناك قلق مشروع من أن تستغل هذه “التسهيلات” لأطراف سياسية أو مسؤولين نافذين، في حين يطبق القانون بأقصى قسوة على صغار الموظفين، مما يرسخ مفهوم “الإفلات من العقاب” للنخب. كما تتآكل الثقة فالعقوبات هي الأداة القانونية التي تشعر المواطن بأن هناك سيادة قانون. عندما يشعر الشارع أن المسؤول الذي تسبب في تعطيل مشاريع حيوية أو استنزاف موارد البلد يخرج “بصفقة مالية”، فإن ذلك يؤدي إلى شعور بالإحباط ويزيد من الفجوة بين السلطة والمجتمع.

فهل هذه الإجراءات “تصلح” لجرائم كبرى؟

للإجابة على السؤال، يجب التمييز بين أنواع الفساد، فالفساد الإداري البسيط قد تكون التسويات بشأنه مقبولة لتخفيف الزخم عن المحاكم. اما الفساد الاستراتيجي (الجرائم الكبرى) كنهب المليارات التي تؤثر على البنية التحتية، أو الصفقات التي تعوق التنمية الوطنية، فهذه الجرائم لا تُجبر بالمال وحده. إنها جرائم بحق المستقبل، وإعادة المال لا تمحو الأثر التدميري الذي تركته هذه الأفعال في المجتمع أو في تعثر مشاريع الدولة.

لا يمكن للجانب المالي (استرداد الأموال) أن يكون بديلا عن المسار العقابي في الجرائم الكبرى. ففي حالة العراق ولكي يكون القضاء فاعلا في حماية مستقبل الناس، يحتاج إلى معادلة مزدوجة، المسار المالي: استرداد الأموال بجدية وشفافية مطلقة لضمان عودتها للخزينة، والمسار الجنائي: إيقاع عقوبات رادعة ومشددة لا تتأثر بالصفقات، لأن الهدف من العقوبة في الجرائم الكبرى هو “الردع العام” ومنع الآخرين من التفكير في نهب المال العام.

ان غياب العقوبة الرادعة في الجرائم التي تمس الأمن الاقتصادي الوطني يجعل من “استرداد الأموال” مجرد إجراء تقني مؤقت، لا يعالج العلل الهيكلية التي تلد فسادا جديدا كل يوم.

فهل أن هناك ضمانات قانونية مفقودة يمكن أن تحول هذه “التسويات” من وسيلة للإفلات من العقاب إلى أداة حقيقية لاسترداد المال العام من دون المساس بجوهر العدالة؟

المشكلة أن التسويات قد تتعلق بالعلاقات الشخصية بين زعماء الأحزاب والكتل وبين الفاسدين والسعي لإنقاذهم، ولا تعتمد على محاولة الوصول إلى تطبيق القانون بعدالة، هنا الذي يحدث هو الانتقال من منطق “الدولة المؤسساتية” إلى منطق “نظام المحاصصة والولاءات الشخصية”. عندما يتحول الإجراء القضائي من أداة إنفاذ قانون إلى وسيلة “للتسويات السياسية”، فإننا نتحدث عن تسييس القضاء أو في الأقل عن خضوع المسار القضائي لموازين القوى السياسية.

إن تحول هذا الإجراء إلى وسيلة لإنقاذ الفاسدين المرتبطين بالكتل يعيد إنتاج الفساد بأدوات رسمية، ويمكن قراءة التداعيات على مستقبل العراق من خلال النقاط التالية، اولا إجهاض مفهوم “المواطنة” مقابل “المحسوبية” فعندمايتمتع الفاسد المحمي حزبيا بامتياز “الاستفادة من التخفيف” فيما يحرم المواطن الاعتيادي من العدالة الناجزة، تترسخ قناعة لدى المجتمع بأن الدولة ليست “مؤسسة عامة” بل “مغنم خاص” للكتل. هذا الانطباع يدمر الرابط التعاقدي بين المواطن والدولة، ويؤدي إلى عزوف اجتماعي وسياسي، وقد يدفع الشباب إلى البحث عن بدائل خارج نطاق الدولة (هجرة، عمل منصات رقمية، أو حتى اليأس والانغلاق).

ان الضمانة الوحيدة التي تمنع تكرار الجريمة هي “الخوف من العقاب”. فعندما يدرك المسؤول أن لديه “خط رجعة” (إعادة الأموال عبر وساطة الحزب)، فإنه لن يتوقف عن الفساد. هذه الحالة تخلق ما يمكن تسميته “اقتصاد الفساد الدوار”:الفاسد يختلس. ثم يجري كشف أمره. تتدخل الجهة السياسية الحامية. يُجري تسوية بسيطة (يُعيد جزءا ويحتفظ بالباقي). يخرج ليعاود الكرة أو ليجري تدويره في منصب آخر.

وهنا تبرز أهمية التحول الرقمي، الأرشفة الإلكترونية، والأتمتة كحلول تقنية لمحاربة الفساد. ولكن، حتى لو امتلكنا أكثر الأنظمة الرقمية تطورا في الرقابة والتدقيق، فإذا كانت “الإرادة السياسية” التي تدير هذه الأنظمة هي نفسها التي تمنح “صكوك الغفران” للمفسدين، فإن التكنولوجيا ستظل مجرد أداة شكلية لا تمنع الجريمة، بل قد تستعمل لتسويغ أرقام المحاسبة والتسويات.

مستقبل “بناء الدولة” تحت ضغط التوافقات

إن بقاء القضاء رهينة لهذه المعادلات السياسية يجعل من أي مشروع وطني (سواء كان يتعلق بالبنية التحتية، أو إدارة المياه، أو إصلاح التعليم) مشروعا معرضا للنهب في أي لحظة. فالمسؤول لا يخاف من “القانون” بقدر ما يخاف من “تغيير الولاءات” أو “انفراط عقد الحزب”.

في ظل هذا المشهد، يظهر أن السؤال الأكثر إلحاحا الذي يواجه الباحثين والمراقبين هو: هل هناك فرصة حقيقية لبروز “كتلة ضغط مجتمعية” أو “تيار قضائي مستقل” يرفض هذه التسويات ويطالب بمعايير صارمة وعلنية لاسترداد الأموال، بعيدا عن الغرف المغلقة للكتل السياسية، أم أن المؤسسات الوطنية في العراق قد وصلت إلى حالة من “التصلب” التي تجعل الإصلاح من الداخل أمرا مستحيلا من دون زلزال سياسي أو مجتمعي كبير؟

هذا التناقض يكشف عن “معضلة المؤسسات الأسيرة” في العراق، حيث تنجح القوى السياسية في تحويل المؤسسات الدستورية (البرلمان، السلطة القضائية، السلطة التنفيذية) إلى أدوات لحماية “الكتلة الصلبة” للمنظومة الحاكمة. والمفارقة تكمن في بروز انتقاد من النواب لعمليات القبض وطريقتها على الفاسدين وهو في الحقيقة “إعلان حالة طوارئ” لتلك القوى؛ فهم لا ينتقدون الإجراء كونه غير قانوني، بل ينتقدونه لأنه خرق “قواعد اللعبة” التي تضمن لهم حصانة متبادلة، فتتحول “الحصانة البرلمانية” إلى “غطاء للجريمة”.

من المفترض دستوريا أن يكون النائب هو “صوت الشعب” والرقيب على المال العام، لكن عندما يتحول النائب إلى “محامٍ” للمفسدين، فإننا أمام انهيار في الدور الوظيفي للمؤسسة التشريعية. انتقاد هؤلاء النواب لعمليات القبض هو رسالة سياسية موجهة للقضاء والأجهزة الرقابية مفادها: «توقفوا، فهذه المداهمات تهدد بتفكيك شبكة المصالح التي نعيش عليها جميعا».

ان تواجد قضاة أصحاب ضمير في هذا الوسط هو “نقطة الضوء” الوحيدة، لكنهم يواجهون تحديات وجودية، تتمثل في التهميش الممنهج، فقد يجري إبعاد القضاة النزيهين عن القضايا الحساسة عبر مناقلتهم إداريا أو سحب الملفات منهم. او التهديد المباشر: الضغوط السياسية والتهديدات الأمنية التي قد تطال هؤلاء القضاة تجعل من مسار العدالة الفردي مسارا محفوفابالمخاطر. وقد تتولد عزلة للقرار فان القاضي النزيه يجد نفسه في مواجهة منظومة كاملة، تبدأ من التكييف القانوني للقضية وتمر بضغوط مراكز القوى، مما يجعله في وضع “المحاصر”.

ان انتقاد الحكومة بشأن طريقة القبض على الفاسدين هو جزء من استراتيجية “صناعة الفوضى القانونية”، اذ يجري التشكيك في الإجراءات (مثلا: عدم اتباع السياقات الدقيقة، أو التشهير، او استعمال قوة الدولة) ليس حرصاعلى “حقوق الإنسان للمتهم”، بل لاستغلال هذه الثغرات كذريعة لإبطال الدعاوى القضائية لاحقا، أو للقول إن العملية سياسية بامتياز وليست قانونية. هذا الإرباك يهدف إلى إقناع الرأي العام بأن “الجميع فاسدون”، وبالنتيجة لا جدوى من المحاسبة، وهو ما يؤدي إلى حالة من “الإنهاك الشعبي”.

المفارقة المؤلمة هي كالآتي: الضغط الشعبي مقابل “هندسة الصمت”؛ وبرغم الضغط الشعبي الكبير، إلا أن السلطة السياسية تمتلك أدوات فعالة لامتصاص هذا الغضب، بوساطة  الاستقطاب بتحويل قضايا الفساد إلىصراعات بين المكونات أو الأحزاب، مما يشتت الجهد الشعبي بشأن جرائم كبرى حقيقية مكتشفة. ويؤدي ذلك الى وعود إصلاحية مفرغة: طرح “حزم إصلاحية” أو “لجان مكافحة فساد” ذات طابع إعلامي لامتصاص الغضب، من دون أن تمس رؤوس الفساد الكبيرة.

نحن أمام “اشتباك وجودي” بين الرغبة الشعبية في استعادة الدولة وبين إرادة الأحزاب في الحفاظ على امتيازاتها. طالما أن المحاسبة تُدار من داخل “غرف المحاصصة”، فستبقى الإجراءات “انتقائية” و”مؤقتة”.

فهل ان استمرار هذا الضغط الشعبي -حتى وإن بدا غير فعال لحظيا– يراكم من “رصيد الرفض” الذي قد يؤدي إلى لحظة تحول في هيكلية النظام القانوني، أم أن هذه المنظومة لديها “مناعة ذاتية” ضد التغيير تجعل من كل هذه المحاولات مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الفشل المؤسسي.

ان النقمة لدى الشعب من أداء القضاء والنخبة السياسية قد تؤدي إلى انبثاق الاحتجاجات الشعبية على غرار احتجاجات تشرين عام ٢٠١٩وذلك يلامس الحقيقة السياسية الأكثر حساسية في العراق اليوم. إن حالة “النقمة الصامتة” التي تسبق الانفجار الشعبي لها مؤشرات هيكلية دقيقة، وتاريخ “تشرين 2019” ما يزال حاضرا كمرجع تجريبي للقوى السياسية وللشارع على حد سواء.

تصلب المنظومة في مواجهة التغيير

إذا أردنا قراءة إمكانية تكرار أو انبثاق احتجاجات جديدة في ظل المعطيات الحالية، يمكننا تحديد المسببات والنتائج عبر النظر فيتغير طبيعة “المواجهة”، ففي عام 2019، كانت الاحتجاجات عفوية وشاملة، وكانت المطالب ذات طابع “وجودي” (نريد وطن، إسقاط الحكومةوالنظام). أما اليوم، فقد أصبح الشارع أكثر وعيابـ “آليات الفساد”. فالنقمة لم تعد عامة فقط، بل باتت موجهة ومحددة، وربما لا تكون الاحتجاجات المقبلة -في حال حدوثها- بالضرورة “مركزية” في ساحة التحرير فقط، بل قد تتخذ طابع “الاحتجاج النوعي” (قطاعي، مناطقي، أو مرتبط بملفات الفساد الخدمي كأزمات المياه، الكهرباء، أو انقطاع الخدمات. هذا الوعي يجعل من الصعب على السلطة امتصاص الغضب بالوعود العامة، لأن المحتج أصبح يدرك “أين ذهبت الأموال” ومن هو المسؤول المباشر، وكيف تعطل الاموال المسروقة والمخفية حياته.

هناك فارق جوهري بين 2019 واليوم؛ فالقوى السياسية استوعبت الدرس بطريقتها الخاصةباستراتيجية التفكيك فالنظام الآن أكثر خبرة في استغلال أدوات “الاحتواء” و”التشتيت” عبر خلق صراعات جانبية أو استغلال نفوذها في داخل الأجهزة الأمنية والقضائية للحد من تحرك الناشطين قبل أن يتبلور. وهناك شعور متزايد بأن هامش الحركة الديمقراطية في التعبير عن الاحتجاج قد ضاق، مما يعني أن أي انفجار شعبي مقبل قد لا يكون “سلميابالدرجة نفسها التي كانت عليها تشرين، إذا ما شعرت الجماهير أن كل سبل الإصلاح (بما فيها القانونية) قد أُغلقت أمامهم.

إن تقاطع “الفساد الكبير” (نهب المال العام) مع “الضيق الاقتصادي اليومي” (أزمة الغاز، غلاء المعيشة، تراجع سوق العمل وغير ذلك) هو الوقود الحقيقي لأي احتجاج. عندما يرى المواطن أن “التسويات القضائية” تحمي الناهبين فيما يزداد هو فقرا، فإن الشرعية الأخلاقية للدولة تنهار تماما في نظره.الاحتجاجات الشعبية في العراق لم تعد مجرد “تعبير عن رأي”، بل أصبحت “رد فعل دفاعي” لبقاء الطبقات الوسطى والفقيرة.

يرى كثير من المراقبين أن مطالب تشرين لم تتحقق، بل جرى “تجميدها“. وهذا يعني أن الشارع يعيش في حالة “تراكم إحباط”. عندما يصطدم هذا الإحباط بقرار قضائي يراه الناس “تواطؤا مع الفاسدين”، فإن المسافة بين صمت الشارع وبين نزوله إلى الميادين قد تكون قصيرة جدا ومباغتة، حتى للقوى السياسية نفسها.

قد يعجبك ايضا