د. ضياء عبد الخالق المندلاوي
لم يكن قرار قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني بتكليف عضو الهيئة العاملة للمكتب السياسي السيد هوشيار زيباري مسؤولية المركز القيادي للحزب في بغداد مجرد إجراء تنظيمي، بل جاء معبراً عن رؤية سياسية تستجيب لمتطلبات مرحلة دقيقة يمر بها العراق، وتؤكد أن الحضور الفاعل في العاصمة الاتحادية يمثل امتداداً للدور الوطني الذي اضطلع به الحزب منذ عقود، وإيماناً راسخاً بأهمية الشراكة الوطنية وتعزيز التواصل مع مؤسسات الدولة والقوى السياسية بما يخدم الاستقرار ويعمق التفاهم بين مختلف المكونات.
وقد أدركت قيادة الحزب، برئاسة الرئيس مسعود بارزاني، أن المرحلة الراهنة تتطلب شخصية تجمع بين الخبرة السياسية، والكفاءة التفاوضية، والقدرة على إدارة الملفات المعقدة، فضلاً عن امتلاكها شبكة واسعة من العلاقات الوطنية والإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق جاء اختيار هوشيار زيباري، بوصفه أحد أبرز رجال الدولة في العراق، وصاحب تجربة سياسية ودبلوماسية امتدت لعقود، بدأت في صفوف الحركة التحررية الكوردستانية، ثم اتسعت لتشمل العمل الدبلوماسي وصنع القرار على المستويين الإقليمي والدولي.
وخلال سنوات المعارضة للنظام السابق، أسهم زيباري في بناء علاقات مؤثرة مع العديد من العواصم ومراكز القرار، قبل أن يتولى بعد عام 2003 مسؤوليات سيادية كان لها دور بارز في إعادة رسم ملامح السياسة الخارجية العراقية، وتعزيز حضور العراق في محيطه الإقليمي والدولي، مستفيداً من خبرته الطويلة ورؤيته القائمة على الحوار والتوازن وبناء الثقة.
ويحمل إسناد قيادة المركز القيادي للحزب في بغداد إلى زيباري دلالات سياسية مهمة، أبرزها حرص الحزب الديمقراطي الكوردستاني على تعزيز حضوره المؤسسي في العاصمة، وتفعيل قنوات التواصل المباشر مع مؤسسات الدولة والقوى الوطنية، انطلاقاً من قناعة بأن الحوار والشراكة يمثلان الركيزة الأساسية لمعالجة القضايا الوطنية.
كما يعكس القرار ثقة القيادة بشخصية تمتلك خبرة عميقة في إدارة الملفات السياسية، وقدرة على التعامل مع مختلف الأطراف بروح المسؤولية، وقد انعكست هذه الخبرة على أسلوبه السياسي الذي اتسم بالهدوء والواقعية والقدرة على إدارة الحوار وتقريب وجهات النظر، وهي سمات تكتسب أهمية خاصة في المرحلة الراهنة التي تتطلب شخصيات تمتلك الخبرة في إدارة الملفات المعقدة وتعزيز مسارات التفاهم الوطني.
ويستند الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى إرث سياسي ونضالي عريق جعله أحد أبرز القوى التي أسهمت في بناء التجربة الديمقراطية العراقية بعد عام 2003. فمنذ تأسيسه على يد الزعيم الخالد مصطفى البارزاني، تبنى الحزب مشروعاً سياسياً يقوم على الدفاع عن الحقوق الدستورية، وترسيخ مبادئ الشراكة والتعايش، والإيمان بالحوار سبيلاً لمعالجة الخلافات. وقد واصل هذا النهج بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، الذي رسخ مكانة الحزب شريكاً أساسياً في بناء الدولة، ومدافعاً عن الدستور، ومؤمناً بأن استقرار العراق يتحقق من خلال التوافق واحترام التنوع السياسي والقومي.
ومن هذا الإرث يستمد هوشيار زيباري قوته السياسية، فهو ابن مدرسة نضالية آمنت بالحوار قبل الصراع، وبالسياسة قبل المواجهة، وبالدولة قبل أي اعتبار آخر. ولذلك فإن وجوده في بغداد اليوم لا يمثل حضور شخصية سياسية فحسب، وإنما حضور تجربة متراكمة تجمع بين النضال والخبرة والدبلوماسية، وتسعى إلى تحويل الحوار إلى وسيلة لبناء الثقة وتعزيز الاستقرار، وتحويل الاختلافات السياسية إلى مساحات للتفاهم الوطني. فالرجل الذي نجح في بناء جسور الثقة مع المجتمع الدولي، يمتلك اليوم المؤهلات نفسها لبناء مزيد من جسور التفاهم داخل البيت العراقي.
وفي المحصلة، فإن توليه قيادة المركز القيادي للحزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد يفتح للحزب صفحة جديدة من حضوره الوطني في العاصمة؛ حضوراً يستند إلى الخبرة لا إلى الشعارات، وإلى التاريخ النضالي لا إلى المواقف الآنية، وإلى العلاقات الراسخة لا إلى الحسابات الضيقة. وهي رسالة تؤكد أن الحزب ماضٍ في تعزيز دوره الوطني، والإسهام في ترسيخ الاستقرار، ودعم مؤسسات الدولة، وتطوير العلاقات بين بغداد وأربيل، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن مستقبل العراق يُبنى بالشراكة، ويترسخ بالتوافق، ويقوم على التوازن، ويقوده رجال دولة يجمعون بين الحكمة والخبرة والقدرة على صناعة التفاهم الوطني.