جمال الدين حمي
إنّ تأييدي لقيام دولة كوردية في المنطقة، ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، ولا تعبيرًا عن نزعة قومية مجرّدة، بل هو قناعة راسخة، نابعة من فهمٍ عميق لمقاصد الشريعة الإسلامية، ومن إدراكٍ واقعي لحجم المأساة الوجودية، التي يعيشها الشعب الكوردي منذ عقود طويلة،
فالكورد كأمّةٍ وشعب يتعرّضون لحروب مستمرة، واضطهاد ممنهج، وسياسات تهدف إلى طمس لغتهم، وتشويه تاريخهم، ومحو هويتهم القومية والثقافية، وإنكار وجودهم، الأمر الذي جعل وجودهم نفسه كأمّة مهددًا بالزوال،
وإنّ من أبسط حقوق أي شعبٍ أن يعيش آمنًا على أرضه، معتزًا بلغته وثقافته وهويته، بعيدًا عن الخوف والإقصاء والتهديد المستمر، فالإنسان الذي يُحرم من حقه في الوجود الكريم، لا يُطلب منه أن يعيش حياة طبيعية، لأنّ الكرامة الإنسانية هي أساس العمران والاستقرار، وهي من أعظم النعم التي أمرت الشرائع بحفظها وصيانتها،
لقد أمر الله تعالى بإقامة الدين في الأرض، لكن إقامة الدين لا يمكن أن تتحقّق، في بيئة يسودها الخوف والظلم، والاضطهاد والقهر والاستعباد والعنصرية، ولا في ظل انعدام الأمن والعدل والإنصاف، فكيف يُطالب الإنسان بإقامة الدين، وهو لا يأمن على نفسه ولا على ماله، ولا على دمه ولا على عرضه ونسله ووجوده وكيانه؟ وكيف يمكن للمسلم أن يحافظ على دينه وهو يعيش مقهورًا مذلولًا، وتُنتهك كرامته، ويكون محرومًا من حقوقه الأساسية، وممنوعًا حتى من تعلّم لغته الأم أو ممارسة ثقافته بحرية؟
إنّ العدل ليس أمرًا ثانويًا في الإسلام، بل هو أساسٌ قامت عليه الرسالات السماوية، فلا يمكن بناء مجتمع صالح فوق الظلم، ولا يمكن أن تزدهر القيم الدينية والأخلاقية في بيئة يُهان فيها الإنسان وتُسلب حقوقه، لأنّ حفظ الإنسان وكرامته، من أعظم مقاصد الشريعة التي جاءت رحمةً للعالمين ، وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق مصالح العباد ، ورفع الظلم عنهم ، وإنصافهم ، وإعادة حقوقهم إليهم ، ولذلك أجمع العلماء على أن مقاصد الإسلام الكبرى تدور حول : حفظ الدين ، وحفظ النفس ، وحفظ العقل ، وحفظ النسل ، وحفظ المال ، وهذه المقاصد لا يمكن أن تُصان ولا أن تتحقق ، في ظل واقعٍ تُنتهك فيه كرامة شعبٍ بأكمله ، ويُعاملون فيه وكأنهم عبيدٌ ، لا حق لهم في الحياة الحرة والكريمة،
ومن أخطر ما نتج عن هذا الظلم الواقع على الكورد ، أنّ كثيرًا من أبناء هذا الشعب ارتدّوا عن الإسلام أو ابتعدوا عنه ، لا رفضًا للدين نفسه ، بل كردّ فعلٍ نفسي ومعنوي ، على ما تعرّضوا له من قهر وظلم على أيدي طغاة ينتسبون إلى الإسلام ، فحين يُمارس الظلم باسم الدين ، أو يُستخدم الدين لتبرير الظلم وشرعنته ، فإنّ ذلك يُحدث أثرًا عكسيًا خطيرًا في النفس ، ويدفع بعض المظلومين إلى النفور من الدين نفسه ، رغم أنّ الإسلام كدين بريء من أفعال هؤلاء الطغاة ،
إنّ من أعظم الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الإنسان ، أن يُحمّل المبادئ العظيمة جرائم من يسيء استخدامها ، فالإسلام دين عدل ورحمة وكرامة ، وليس دين ظلم أو استبداد ، ومن واجب من يحمل همّ الدين أن يقف مع المظلومين ، وأن يزيل كل صورة مشوهة ارتبطت بالدين بسبب ممارسات الظالمين ، لأنّ نصرة الحق لا تكون بالكلام فقط ، بل بإزالة أسباب الألم والاضطهاد ، وهذا الواقع المؤلم ، يعني أن غياب كيانٍ سياسي عادل يحمي الكورد ، لا يهدّد وجودهم القومي فقط ، بل يهدّد دينهم أيضًا .
ومن هنا ، أجد أنَّ قيام دولة كوردية عادلة ، لا تحفظ على الكورد وجودهم كشعب وأمّة فحسب ، بل ستساهم أيضًا في حفظ دينهم ، وذلك من خلال رفع الظلم عنهم وإنصافهم ، وإعادة حقوقهم إليهم ، وإزالة الربط النفسي بين الإسلام والقهر الذي يتعرضون إليه باسم الإسلام ، وتمكينهم من ممارسة دينهم في بيئة يسودها العدل والكرامة . وحفظ الدين، كما هو معلوم أنه من صلب مقاصد الشريعة الإسلامية، وإذا كانت الدولة الكوردية ستكون سببًا في حفظ دين الكورد أيضًا، فوقتها تصبح الدولة الكوردية أكثر من واجب.
إنّ الدولة العادلة ليست غايةً في ذاتها فقط ، بل هي وسيلة لحماية الإنسان وصيانة حقوقه ومنع الاعتداء عليه ، فحيثما وُجد الأمن والعدل ، استطاع الإنسان أن يعبد الله بحرية ، وأن يحافظ على قيمه وأخلاقه وثقافته ، أما حيث يسود القهر والخوف ، فإنّ الفتن والاضطرابات والانحرافات تزداد ، ويصبح الإنسان منشغلًا بالدفاع عن بقائه ، بدلًا من بناء حياته وإعمار مجتمعه ، وعبادة ربه كما أراد ، وقد أكّدت السنة النبوية مشروعية الدفاع عن هذه المقاصد ، حين قال النبي ﷺ في الحديث المعروف :
(جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ، فقالَ : يا رَسولَ اللهِ ، أرَأَيْتَ إنْ جاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أخْذَ مالِي؟ قالَ : فلا تُعْطِهِ مالَكَ ، قالَ : أرَأَيْتَ إنْ قاتَلَنِي؟ قالَ : قاتِلْهُ ، قالَ : أرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قالَ : فأنْتَ شَهِيدٌ ، قالَ : أرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قالَ : هو في النَّارِ) ، فإذا كان الدفاع عن مال الفرد ونفسه مشروعًا وموجبًا للشهادة ، فإنّ الدفاع عن وجود شعبٍ كامل وعن دينه وكرامته ووجوده أولى وأوجب.
وعليه، فإنّ تأييد قيام دولة كوردية ليس عداءً لأحد ، ولا خروجًا عن الإسلام ، بل هو موقف شرعي وأخلاقي ينسجم مع روح الشريعة ، وينحاز إلى المظلوم ، ويؤمن بأنّ العدل هو الطريق الحقيقي لحفظ الدين والإنسان معًا ، ومن يلوم الكورد بسبب ابتعاد شريحة منهم عن الدين ، فعليه إزالة الأسباب أولًا التي دفعتهم للابتعاد عن الدين ، ومن يهمه الدين وأن يحافظ الكورد على دينهم ، فعليه المساهمة في رفع الظلم عنهم ، وإذا كانت الدولة الكوردية ستحفظ للكورد دينهم ، فلا ينبغي الوقوف في وجه قيام هذه الدولة ، بل إنّ الوقوف مع المظلومين ، والسعي إلى رفع الظلم عنهم ، هو من أعظم صور الالتزام بالقيم التي جاء بها الإسلام ، لأنّ الدين لا يُقاس بالشعارات فقط ، وإنما يظهر أثره الحقيقي في إقامة العدل ، وحماية الضعفاء ، وصيانة كرامة الإنسان ، ومن هنا فإنّ نصرة حق الكورد في الحياة الآمنة والكريمة ليست خصومة مع أحد ، وإنما هي انحياز لمبدأ إنساني وشرعي عظيم ، وهو مبدأ العدل الذي أمر الله تعالى به.
فالقاعدة الفقهية تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، لذا فأنا من داعمي الدولة الكوردية وبشدّة أيضًا ، ومنطلقاتي في هذا دينية شرعية وإنسانية وأخلاقية ، وبما أن الدولة الكوردية وسيلة لحفظ الدين والحقوق الأساسية للإنسان الكوردي ، فيصبح دعم الدولة الكوردية وقتها واجبًا شرعيًا ، وإن أي حديث عن وحدة صف المسلمين ، في ظل وجود المظالم وهي قائمة بينهم ، هو مضيعة للوقت ، وضحك على اللحى والذقون ، أزيلوا المظالم أولًا ، وأعيدوا الحقوق إلى أهلها ، وأقيموا العدل في الأرض كما أمر الله تعالى ، وحينها ستتحقق وحدة الصف الإسلامي ، أما الآن ، فإنَّ الظالم والمُعتدي ، هو الذي يُعرقل وحدة الصف ، وليس المظلوم ولا المُعتدى عليه.
فالوحدة الحقيقية لا تُبنى على تجاهل معاناة الناس، ولا على مطالبة المظلوم بالصبر ، بينما يستمر الظلم عليه ، وإنما تُبنى على العدل والمساواة وردّ الحقوق إلى أصحابها ، لأنّ القلوب لا تجتمع بالقوة ، بل تجتمع حين يشعر الإنسان أنّ كرامته محفوظة وحقه مصان ، وإنّ مستقبل الشعوب لا يُصنع بالخوف والإكراه ، وإنما يُصنع بالعدل والاحترام والاعتراف المتبادل بالحقوق ، فكل مشروع يقوم على حماية الإنسان ورفع الظلم عنه ، هو مشروع يستحق النظر إليه من منطلق أخلاقي وإنساني ، بعيدًا عن الحقد والكراهية والعداء .
والله تعالى يقول : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) 90 النحل ، والعدل هو الميزان الذي تُعرف به صلاحية الأمم والمجتمعات ، فإذا تحقق العدل تحقق الأمن والاستقرار ، وإذا غاب العدل انتشرت المظالم والفرقة والاضطراب ، وحينها على الدنيا السلام.