تزرين يعقوب سولا
خلال هذه الأيام من الامتحانات العامة..توقفت عند موقف مؤثر.
كانت طالبة في الصف الثاني عشر تجلس على رحلتها بانتظار بدء الاختبار.
وما إن وُزعت أوراق الأسئلة حتى قالت بصوت مرتبك…
«لم أعد أرى شيئاً».
سارعت إلى تهدئتها والوقوف إلى جانبها، وقدّمنا لها الماء، وبقيت معها حتى استعادت شيئاً من هدوئها. وبعد دقائق من القلق والترقب بدأت حالتها تستقر تدريجياً وعاد بصرها إلى طبيعته. عندها شعرت بالارتياح، وحرصت على مواساتها بكلمات تبعث الطمأنينة في نفسها قبل أن تتابع امتحانها.
ورغم أن الموقف انتهى بسلام، إلا أنه يدعونا إلى التساؤل …
هل ما زلنا نقيس قدرات أبنائنا بالطريقة التي تنصف إمكاناتهم الحقيقية؟
وهل من المنطقي أن يتحول امتحان واحد إلى تحديد مصير تختزل فيه سنوات طويلة من الدراسة والاجتهاد والأحلام؟
خلال موسم الامتحانات عادةً أستيقظ قبل الساعة السادسة لأكون في الموعد المحدد لاستلام الأسئلة ونقلها إلى القاعات، والاشراف على سير الامتحان داخل القاعة. إنها مسؤولية كبيرة لا تحتمل الخطأ أو التهاون. حيث أشعر دائماً بثقل الأمانة الملقاة على عاتقنا .
ومع مرور السنوات، أصبح هذا الاستيقاظ المبكر جزءاً من روتيني السنوي، حتى ساعتي البيولوجية اصبحت توقظني في الوقت ذاته خلال الصيف والعطل. ولا أذكر ذلك على سبيل الشكوى والتذمر ، فهي جزء من معاناة الواجب والمسؤولية المهنية، نؤديها بإخلاص، لكن الاحتكاك اليومي بالطلبة خلال هذه الفترة يكشف لنا حجم الضغوط النفسية التي يعيشونها.
ومع تقديمنا للكثير من المبادرات والمقترحات التربوية إلا أن الواقع لا يزال على حاله والامتحان النهائي يحتفظ بالدور الأكبر في رسم مستقبل الطالب. وفي أحيان كثيرة، قد يكون خطأ في فهم سؤال، أو ارتباك عابر، أو لحظة توتر مفاجئة سبباً في ضياع فرصة انتظرها الطالب سنوات طويلة.
إن قياس قدرات المتعلمين لا ينبغي أن يعتمد على اختبار واحد فقط، بل على منظومة متكاملة من التقييمات المتنوعة والمتراكمة عبر سنوات الدراسة. فالطالب ليس رقماً ، بل إنسان يمتلك مواهب وقدرات ومهارات متعددة، كثير منها لا يمكن أن تكشفه ورقة امتحان خلال ساعات محدودة. فهناك المشاريع العلمية، والأنشطة المدرسية، والتطبيقات العملية، والتقييم المستمر، بوصفها أدوات أكثر عدالة في التعرف إلى إمكانات الطلبة وتوجيههم نحو المسارات التي تتوافق مع قدراتهم وميولهم.
ويتجه العالم اليوم إلى أساليب حديثة في التقويم التربوي تركز على التفكير النقدي والإبداع، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والمهارات التطبيقية، بينما لا يزال الاختبار النهائي في منظومتنا التعليمية ، وكأنه المعيار الوحيد للحكم على مستقبل إنسان.
ومع كل الجهود التي يبذلها الجميع، من الطلبة الذين يسهرون الليالي استعداداً للامتحانات، والأسر التي تشارك أبناءها القلق والترقب، والكوادر التربوية والإدارية التي تتحمل مسؤوليات جسيمة لضمان نجاح العملية الامتحانية، نأمل أن تكون الاختبارات أداة من أدوات التقييم، لا حكماً نهائياً على مصير الطالب.
وأن تكون الامتحانات وسيلة للتوجيه والتطوير لا مصدراً للرهبة والضغط النفسي، وعندما يُقاس الطالب بحصيلة سنوات من العمل والإنجاز لا بنتيجة ساعات قليلة من التوتر، عندها فقط يمكن القول إن الجهود الكبيرة والتكاليف الضخمة التي تُبذل كل عام قد حققت غايتها الحقيقية.