16 آب.. عندما تحول الذكرى إلى درع للسلام وموطن للجميع

​فينوس بابان

لم يكن السادس عشر من آب/أغسطس 1946 مجرد محطة تقويمية في تاريخ الشرق الأوسط، بل كان اللحظة الجيوسياسية التي التقت فيها إرادة التأسيس السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة الزعيم الخالد ملا مصطفى بارزاني مع ولادة الزعيم مسعود بارزاني في قلب جمهورية مهاباد، إن هذا التزامن الرمزي أسس لمسيرة تاريخية حولت القضية الكردية من ثورات وانتفاضات مناطقية إلى حركة سياسية ومؤسساتية منظمة، جعلت من الإرادة القومية فاعلاً رئيسياً في معادلات المنطقة والعالم.
​من نضال الجبال إلى بناء الدولة والمؤسسات.. نجح الحزب الديمقراطي الكوردستاني عبر عقود من النضال الشاق من ثورة أيلول الخالدة واتفاقية 11 آذار 1970 إلى انتفاضة عام 1991 في تحويل الفكر الثوري إلى نموذج حكم فيدرالي ومؤسساتي مرن أثبت الحزب قدرته الإستراتيجية على حماية الهوية القومية وإدارة التوازنات الإقليمية والدولية المعقدة وترسيخ مكانة الإقليم كعنصر استقرار وتوازن موثوق في قلب منطقة تعج بالاستقطابات، عبر بناء شراكات استراتيجية متوازنة مع المجتمع الدولي دون التفريط بالسيادة والثوابت الوطنية.
​قيادة الأزمات والوفاء للتضحيات.. تجسدت مسيرة الزعيم مسعود بارزاني في قيادة الحركة الكوردستانية خلال أحلك الظروف وأعتاها مفاوضاً صلباً عن الحقوق التاريخية ومرجعية سياسية صانة للدستور وقائداً ميدانياً في معارك دحر الإرهاب، إن صيانة مكتسبات اليوم هي العهد الأسمى لدماء شهداء البيشمركة الأبرار ولضحايا جرائم الأنفال والقصف الكيماوي في حلبجة عبر تحويل تلك الآلام والذاكرة الجمعية إلى قوة لبناء المؤسسات وحماية السيادة وليكون الوفاء الفعلي لهذه التضحيات تجسيداً لمعركة التنمية الشاملة، وتحديث القطاعات، وبناء اقتصاد قوي يضمن للجيل الجديد مستقبلاً مزدهراً يليق بتاريخ هذا النضال.​

الأصالة النضالية والصلابة المكتسبة من جبال كوردستان:
رسالة وعي وتنبيه موجهة إلى الشباب والجيل الجديد ولكل كوردستاني في دول العالم.. إن كيان إقليم كوردستان لم يُمنح كهدية بل تعمد بدماء شهدائنا الأبرار ومآسي الأنفال وحلبجة وحملات الإبادة، إن القيادة التاريخية والحركة القومية استمدت قوتها وصلابتها من الجبال ورسخت نضالاً حقيقياً يرتكز على التاريخ والتضحيات الفعلية.
​الوعي ضد الخطابات الشعوبية (القش الخفيف).. دعوة صريحة للجيل الصاعد بعدم الانجراف وراء الأصوات الشعوبية والوعود الزائفة التي تنشط في الأزمات فهؤلاء الشعوبيون ليسوا في واقع الأمر سوى قش خفيف تطيره الرياح كيفما تشاء ولا يملكون جذوراً في أرض الواقع ولا في موازين القوة والسيادة إن من صمد بوجه العواصف وجعل رأس الكوردستانيين مرفوعاً أمام العالم هي القيادة والمؤسسات الصلبة المستندة إلى الإرادة والتاريخ والتضحيات.
​ بيئة الأمان.. كوردستان نموذجاً للتعددية والتآخي
لم يكن إقليم كوردستان مجرد جغرافيا أو سلطة إدارية بل أثبت عبر العقود أنه الحصن المنيع والملاذ الآمن لكل مظلوم والأرض التي تجسد أبهى صور التعايش السلمي والتآخي بين جميع القوميات والأديان والمكونات.
​التضامن القومي والالتفاف حول الإقليم..إن الحفاظ على تجربة الإقليم ومؤسساته الدستورية هو واجب قومي وإنساني يقع على عاتق كل كوردستاني في الداخل وجاليات المغترب حول العالم، إن القوة الحقيقية للإقليم تكمن في الالتفاف حوله كدرع صلب يضمن البقاء والتطور مثلما كان الإقليم دائماً درعاً وحاضناً لأبنائه.

مبادرة الأخوة والسلام
​دعوة للأحزاب الكوردستانية (تحويل التهاني إلى مبادرة أخوة).. نداء صريح إلى كافة القوى والأحزاب الكوردستانية بأن لا تقتصر برقيات التهاني بهذه المناسبة على الفعاليات البروتوكولية بل أن تتجسد في مبادرة وطنية شاملة للمصالحة والتلاحم تُعلي المصلحة العليا للشعب الكوردستاني فوق كل الخلافات الحزبية وترسخ وحدة البيت الداخلي.
​رسالة إلى صناع القرار في بغداد (الشراكة والدستور).. دعوة مباشرة إلى كافة القوى السياسية وصناع القرار في العاصمة بغداد لتكون رسائلهم قائمة على القبول المطلق بالشراكة الوطنية والاعتراف بالحقوق الدستورية والإنسانية لكافة المكونات، إن استقرار العراق وقوته يتطلبان إيماناً راسخاً بأن قوة إقليم كوردستان وازدهاره هما سند واستقرار للعراق أجمع.
​تظل ذكرى التأسيس ومسيرة الزعيم مسعود بارزاني نداءً حياً للسيادة والكرامة والسلام، إن مستقبل كوردستان والعراق لا يُبنى بالتهميش أو بالفقاعات الشعوبية العابرة بل بالحكمة والتعايش والصلابة والالتزام التام بالبنود الدستورية، فليكن يوم 16 آب محطة متجددة للتضامن القومي والوطني ولتظل تجربة إقليم كوردستان منارة للحرية وأرضاً للسلام والأمان لجميع أبنائها والشركاء في الوطن.

قد يعجبك ايضا