رقية.. حين انتصرت الإنسانية على المسافات

علي الحياني

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار وتكثر فيه الخلافات والانقسامات، جاءت قصة الطفلة رقية لتذكر الجميع بأن الإنسانية ما زالت قادرة على جمع القلوب حول موقف واحد، وأن الألم لا يعرف قوميةً ولا مذهباً ولا مدينة.

رقية، الطفلة القادمة من كربلاء، لم تحمل معها إلى كردستان سوى أحلام طفولتها البريئة ورغبتها في الاستمتاع بجمال الطبيعة الخلابة في مصيف أحمد آواه. لكنها لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها نهايةً مأساوية بعدما جرفتها مياه الشلال أمام أنظار عائلتها، لتتحول رحلة الفرح إلى فاجعة أبكت العراقيين جميعاً.

ومنذ اللحظات الأولى للحادثة، شهدت مدينة حلبجة وأطرافها مشهداً إنسانياً استثنائياً. عشرات المتطوعين والغواصين وأهالي المنطقة تركوا أعمالهم ومشاغلهم، وكرّسوا أياماً طويلة للبحث عن الطفلة المفقودة، لم يسأل أحد عن هوية رقية أو مدينتها أو انتمائها، بل رأوا فيها ابنةً للعراق كله، واعتبروا أن واجبهم الإنساني يحتم عليهم الوقوف إلى جانب عائلتها في محنتها.

ما فعله أهالي حلبجة لم يكن أمراً مستغرباً على مدينة عرفت معنى الألم أكثر من غيرها. فهذه المدينة التي تعرضت لأبشع جريمة بالقصف الكيمياوي، وما زالت تنتظر إنصافاً يليق بتضحياتها، تعلم جيداً قيمة الحياة ومعنى الفقدان، لذلك كان أبناؤها أول من استجاب وأول من بادر وأول من شارك في عمليات البحث بكل ما يملكون من إمكانات.

لقد قدّمت حلبجة من خلال هذه الحادثة درساً جديداً في التآخي، وأثبتت أن القيم الإنسانية قادرة على تجاوز كل الحواجز. فالموقف الذي سطّره شبابها ورجالها ونساؤها لم يكن مجرد عملية بحث عن طفلة مفقودة، بل كان رسالة محبة وتضامن من شعب عرف المعاناة فاختار أن يواجهها بالمروءة والرحمة.

ستبقى قصة رقية مؤلمة في ذاكرة العراقيين، لكن ما سيبقى معها أيضاً هو ذلك المشهد النبيل الذي جسّده أهالي حلبجة، حين اجتمعت القلوب على هدف واحد، وحين انتصرت الإنسانية على كل الاعتبارات الأخرى.

ما فعله أبناء حلبجة ليس موقفاً عابراً يُنسى مع مرور الأيام، بل صفحة مشرقة تضاف إلى سجل مدينة عرفت بالصبر والكرم والوفاء، وستبقى شاهداً على أن الإنسانية أسمى من أي اعتبار.

قد يعجبك ايضا