د. زەنون سلێڤانەی/ زاخو
في أعماق الصحراء التي لا ترحم، حيث تتشابه الكثبان وتتلاشى الحدود بين الأرض والسماء، كان “صالح” يسير وحيداً. لم يكن يتوقع أن تتحول رحلته المعتادة للبحث عن آبار قديمة إلى مواجهة مع غضب الطبيعة.
بدأ الأمر بنسيم خفيف حمل معه رائحة غريبة، مزيجاً من الرمل الساخن ومعدن صدئ. في لحظات، تغير لون الأفق من الأزرق الصافي إلى أصفر كدر، ثم إلى برتقالي محترق. أدرك صالح حينها أن “رياح الموت” قد بدأت بالهبوب. لم تكن مجرد عاصفة رملية عادية، بل هي تلك التي يتحدث عنها كبار السن في حكاياتهم، التي تقتلع الروح قبل أن تقتلع الأشجار.
حاول البحث عن مأوى خلف صخرة كبيرة، لكن الرياح بدأت تعوي كذئب جريح، وصوت اصطدام ذرات الرمل بصدره كان كطقطقة الرصاص. أصبحت الرؤية منعدمة، وبدأ الهواء ينفد من رئتيه. شعر ببرودة غريبة تتسلل إلى جسده رغم حرارة الصحراء، وكأن الرياح تسحب الحياة من مسامه.
أغمض عينيه، مستسلماً للحظة، حين تذكر وجه طفلته التي تنتظره في البيت. تلك الصورة كانت طوق النجاة. زحف صالح نحو تجويف صغير في الصخر، محتمياً بعباءته، محاولاً حماية أنفه وفمه من الغبار القاتل الذي يملأ الأرجاء.
مرت ساعات بدت وكأنها دهر. الرياح تضرب الصخور بجنون، تئن وتصرخ، تقتلع كل ما في طريقها. ظل صالح صامداً، متمسكاً بالحياة، يهمس بكلمات لم يسمعها أحد غيره.
ومع بزوغ فجر اليوم التالي، خمدت الرياح فجأة. ساد صمت مطبق، وكأن الصحراء قد أفرغت كل غضبها. خرج صالح من مخبئه، لينظر حوله؛ كانت التضاريس قد تغيرت تماماً. لقد غيرت “رياح الموت” معالم المكان، لكنها فشلت في تغيير قدره.
وقف على قدميه المرتجفتين، ونفض الغبار عن ثيابه، ممتناً للحظة التي قرر فيها ألا يستسلم، ومبتعداً عن ذلك المكان الذي شهد واحدة من أقسى ليالي عمره.