مسرور بارزاني يُحصّن كوردستان بالسنابل

فينوس بابان

​ في عالمٍ تعيد الصراعات الدولية صياغة توازناته وتتحكم سلاسل الإمداد بمصير الشعوب، لم يعد مفهوم الأمن القومي يقتصر على الأبعاد التقليدية بل بات يُصنع أولاً في حقول القمح وخلف سواعد الفلاحين إن المبادرة الاستراتيجية العاجلة التي أطلقتها هيئة الاستثمار في حكومة إقليم كوردستان وبتوجيهات مباشرة من رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني لتسويق كامل فائض محصول القمح لمزارعي الإقليم ليست مجرد إجراء إداري لاحتواء وفرة الإنتاج بل هي وثيقة اعتماد على الذات وإعلان صريح عن ترسيخ ركائز كوردستان المستقرة والمكتفية ذاتياً، في ظل مناخ إقليمي معقد وتحولات جيوسياسية خطيرة تحركت أربيل برؤية مرنة لتثبت أن الأمن الغذائي هو حجر الزاوية لصيانة الاستقرار المؤسسي والتنموي، وهو ما يتضح جلياً عند قراءة الأبعاد الاستراتيجية لهذه المبادرة:

أولاً: تحويل التحديات التنسيقية إلى فرص استثمارية
​لقد حقق القطاع الزراعي في كوردستان قفزة نوعية هذا الموسم، حيث جادت الأرض بما يزيد عن مليوني طن من القمح عالي الجودة ومع تحديد طاقة الاستلام المقررة حكومياً بـ 400 ألف طن بناءً على الموازنات والخطط التنسيقية الاتحادية برز تحدٍ لوجستي يتمثل في كيفية إدارة وتسويق الفائض البالغ نحو 1.6 مليون طن. هنا تجلت حكمة القيادة في أربيل، حيث وجّه رئيس الحكومة السيد مسرور بارزاني بفتح باب التقديم فوراً عبر هيئة الاستثمار لاستيعاب هذا الفائض بالكامل بالتعاون مع القطاع الخاص والشركات المحلية والدولية، هذا التحرك السريع أثبت قدرة الإقليم الديناميكية على إيجاد حلول اقتصادية مبتكرة ومستقلة محولاً عبء الوفرة إلى نافذة استثمارية وتصديرية واسعة ترسل رسالة واضحة عن مرونة الإقليم وحسن إدارته لأزماته.

ثانياً: الفلاح الكوردستاني.. عماد الاستقرار وحارس الأمن الغذائي
الفلاح في إقليم كوردستان ليس مجرد عامل في قطاع إنتاجي بل هو الحارس التاريخي للأرض والركيزة الأساسية التي يبنى عليها قوت الشعب وتماسك المجتمع، تدرك حكومة الإقليم أن استقرار هذه الطبقة هو ضمانة للأمن السلمي والاجتماعي ولذلك جاءت المبادرة لتحقيق هدفين جوهريين:
​تأمين العائد العادل، حماية الفلاحين من تقلبات السوق وضمان أسعار شراء مجزية تدعم استمراريتهم بما يصون كرامة الجهد ويغطي تكاليف الإنتاج.
​الاستقرار التنموي، تشجيع المزارعين على البقاء في أراضيهم وتطوير أدواتهم الزراعية بدلاً من الهجرة نحو مراكز المدن مما يحافظ على التوازن الديموغرافي والبيئي للإقليم.

ثالثاً: حماية السوق وبناء شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص
في غياب آليات التنظيم الحكومي، كان يمكن لهذا الفائض الضخم أن يتسبب في إرباك كبير لآليات العرض والطلب مما يفتح الباب أمام المضاربات غير العادلة والسوق السوداء التي تستغل حاجة الفلاح للتصريف السريع خوفاً من تلف المحصول.
إن دخول هيئة الاستثمار كمنظم وموجه للشراكة الاستراتيجية مع القطاع الخاص أحدث توازناً وازناً:
ضبط التوازن السعري، فرضت الحكومة بوجودها مظلة أمان منعت احتكار المحاصيل أو بخس قيمتها.
تسييل واستدامة الإنتاج، فتح قنوات التصدير وتوجيه الفائض نحو الصناعات التحويلية المحلية مثل المطاحن ومصانع المعجنات والعلائق، منح السوق مرونة عالية تضمن تدفق السيولة النقدية مباشرة إلى الدورة الاقتصادية للإقليم.

رابعاً: الاستدامة والأمن القومي في زمن الحروب والتغير المناخي
يمر الشرق الأوسط بظروف جيوسياسية بالغة الحساسية من اضطراب خطوط الملاحة وسلاسل التوريد العالمية يضاف إليها التحدي الوجودي المتمثل في التغير المناخي وشح المياه، في ظل هذه المعادلة الصعبة يكتسب قرار إدارة وحفظ القمح في كوردستان عمقاً استراتيجياً هادئاً:
الدرع الغذائي الذاتي، إن امتلاك الإقليم للقدرة على إدارة قوته الاستراتيجي يمنحه حصانة ذاتية ضد أي أزمات استيراد أو انقطاع مفاجئ في الإمدادات الدولية جراء النزاعات الإقليمية.
الانتقال إلى الاقتصاد المتنوع، تمثل هذه المبادرة التطبيق الفعلي لرؤية السيد مسرور بارزاني في تنويع مصادر الدخل والخروج التدريجي من الاعتماد الكلي على الريع النفطي نحو اقتصاد إنتاجي مستدام يعتمد على الزراعة والصناعة وبناء بنية تحتية صلبة من السايلوهات والمستودعات الحديثة.
إن مبادرة تسويق فائض القمح في إقليم كوردستان تتجاوز بمدلولاتها حدود الحلول الاقتصادية المؤقتة، إنها رسالة دبلوماسية بليغة تعبر عن النضج المؤسسي والقدرة العالية على الإدارة الذاتية الواعية. لقد أثبتت أربيل عبر هذا القرار الشجاع، أن السيادة الاقتصادية تُبنى بالتخطيط والعمل وأن التحديات الإدارية يمكن دائماً تجاوزها بالاعتماد على سواعد أبناء الوطن ومقدرات الأرض المعطاءة.
​الرسالة اليوم صريحة وهادئة للجميع.. إقليم كوردستان يمتلك من المرونة الرؤية ما يجعله قادراً على صياغة مستقبله وحماية أمنه الغذائي تحت أي ظرف. فالحكومة التي تضع فلاحها في مقدمة أولوياتها، وتحول حقولها إلى مصدات استراتيجية للاستقرار، هي حكومة تمضي بثقة نحو المستقبل، مرسخةً ركائز كوردستان القوية كحقيقة جغرافية واقتصادية راسخة لا تنحني أمام العواصف.

قد يعجبك ايضا