لماذا ترفض الحركة الكردية أن تكون وقوداً لصراعات الآخرين؟

الباحثة السياسية جيهان علو

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تتكشف أزمة فهم عميقة لدى عدد من القوى الدولية والإقليمية تجاه طبيعة المشروع السياسي والعسكري الكردي. فالكثير من المقاربات التي حكمت العلاقة مع الكرد خلال العقود الماضية ما تزال أسيرة رؤية تقليدية تنظر إلى القوى الكردية بوصفها أدوات وظيفية يمكن استدعاؤها لخوض حروب الآخرين أو تنفيذ أجندات خارجية لا ترتبط مباشرة بالمصالح والحقوق الكردية. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت بوضوح أن هذه المقاربة لم تعد قادرة على تفسير السلوك السياسي والعسكري الكردي، ولا على استيعاب التحولات الفكرية والسياسية التي طرأت على بنية القرار الكردي خلال السنوات الماضية.
فقد برزت خلال مراحل مختلفة رهانات دولية وإقليمية دفعت باتجاه إشراك القوى الكردية في مواجهات تتجاوز نطاق أولوياتها الوجودية، سواء عبر فتح جبهات جديدة مع إيران أو الانخراط في صراعات إقليمية معقدة على امتداد الجغرافيا العراقية والسورية. إلا أن هذه الرهانات اصطدمت بحقيقة مختلفة تماماً؛ وهي أن العقيدة العسكرية الكردية المعاصرة باتت قائمة على مبدأ الدفاع عن المجتمع والأرض والمكتسبات السياسية، لا على خوض حروب توسعية أو التحول إلى أداة في مشاريع تصفية الحسابات بين القوى المتنافسة في المنطقة.
ومن منظور كردي، فإن السلاح الذي حملته قوات البيشمركة والقوى العسكرية الكردية لم يكن يوماً وسيلة لتحقيق مكاسب إمبراطورية أو أداة للانخراط في مغامرات عسكرية خارجية، بل جاء استجابة لضرورات البقاء في بيئة سياسية وأمنية اتسمت لعقود طويلة بالتهديد المستمر. فالكرد وجدوا أنفسهم في مواجهة تحديات وجودية متراكمة تمثلت في الإرهاب الذي شكل الخطر الأكبر على وجودهم، وصعود تنظيم داعش، والتدخلات العسكرية التركية المتكررة، فضلاً عن الضغوط الإقليمية التي استهدفت تقويض أي تجربة كردية للحكم الذاتي أو الإدارة المحلية.

لقد أسهمت التجارب القاسية التي عاشها الكرد خلال العقد الأخير في إعادة صياغة أولوياتهم الاستراتيجية. فمن مأساة شنكال والإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون، إلى معركة كوباني التي تحولت إلى رمز عالمي لمقاومة الإرهاب، مروراً بما جرى في عفرين وسري كانيه وغيرها من المناطق الكردية، تشكلت لدى الرأي العام الكردي قناعة راسخة بأن بوصلة العمل السياسي والعسكري يجب أن تبقى موجهة نحو حماية المجتمع الكردي وصون أمنه واستقراره، لا نحو الانخراط في صراعات إقليمية لا تحقق له مكاسب حقيقية.
وفي هذا السياق، فإن العديد من المآسي التي تعرض لها الشعب الكردي لم تكن، وفق القراءة الكردية للأحداث، نتاج صراعات محلية معزولة فحسب، بل جاءت ضمن شبكة معقدة من التفاهمات والمصالح الإقليمية والدولية التي وضعت القضية الكردية مراراً في موقع المساومة السياسية. وقد رسخت هذه التجارب شعوراً واسعاً لدى الكرد بأن التحالفات الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تشكل بديلاً عن الإرادة الكردية أو الضمانة الأساسية للأمن القومي الكردي.
وعلى الرغم من التباين الكبير بين الولايات المتحدة وإيران وتركيا في الرؤى والمصالح، فإن الموقف الكردي المستقل أثار قدراً من الحذر وعدم الارتياح لدى هذه الأطراف جميعاً. إذ كانت بعض الدوائر الأمريكية تتوقع من القوى الكردية أن تلعب أدواراً تتجاوز حدود الدفاع عن مناطقها، وأن تنخرط بصورة أوسع في ترتيبات إقليمية تخدم الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. إلا أن تمسك الكرد بأولوياتهم الخاصة ورفضهم تحويل قواتهم إلى أدوات في مواجهات لا ترتبط مباشرة بأمنهم القومي شكل خروجاً عن هذه التوقعات.

أما إيران، فقد نظرت تاريخياً إلى أي قوة كردية منظمة ومستقلة باعتبارها عاملاً ينبغي مراقبته ووضعه على اللائحة السوداء، لكنها في الوقت نفسه وجدت أن القوى الكردية لم تتحول إلى رأس حربة في مشاريع المواجهة المباشرة ضدها، رغم محاولات بعض الأطراف الإقليمية والدولية دفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب والصراع. وقد تمسك الكرد بمبدأ عدم الانخراط في حروب الوكالة، مع التركيز على حماية مناطقهم ومجتمعاتهم قدر الإمكان من الأخطار المباشرة التي تهدد استقرارها.
وفي المقابل، تنظر تركيا إلى أي تجربة كردية مستقرة وفاعلة سياسياً وأمنياً بوصفها تحدياً استراتيجياً طويل الأمد. لذلك فإن المشكلة بالنسبة لأنقرة لا تكمن في مشاركة الكرد أو عدم مشاركتهم في الصراعات الإقليمية، بل في بناء نموذج سياسي وأمني قادر على ترسيخ الاستقرار وإدارة شؤونه بصورة مستقلة، وهو ما تنظر إليه المؤسسة التركية بعين الريبة والحذر. ومن هذا المنطلق، فإن تمسك الحركة الكردية باستقلالية قرارها ورفضها الانجرار إلى حروب الآخرين يعزز حضورها كفاعل سياسي يمتلك أجندته الخاصة بعيداً عن الاصطفافات المفروضة من الخارج.
وتكشف هذه المعطيات عن تحول نوعي في طبيعة القرار الكردي، إذ لم يعد الكرد يتعاملون مع أنفسهم بوصفهم قوة يمكن استدعاؤها لخوض صراعات الآخرين أو الانخراط في مشاريع المواجهة بالوكالة، بل باعتبارهم فاعلاً سياسياً وعسكرياً يمتلك أولوياته الخاصة وحساباته المستقلة. وقد أسهمت التجارب القاسية التي مر بها الشعب الكردي، وما رافقها من خذلان دولي وتقلبات في التحالفات الإقليمية، في ترسيخ قناعة متزايدة بأن حماية المجتمع الكردي وصون المكتسبات القائمة وتعزيز الاستقرار الداخلي يجب أن تبقى في صدارة الأولويات. ومن هذا المنطلق، لا ترى الحركة الكردية نفسها طرفاً في صراعات القوى الإقليمية والدولية بقدر ما ترى أن مسؤوليتها الأساسية تكمن في الدفاع عن شعبها وحقوقه ومستقبله. ولذلك فإن رفضها التحول إلى وقود في حروب الآخرين لا يعبر عن موقف تكتيكي فحسب، بل عن رؤية سياسية واستراتيجية تتأسس على مبدأ الاستقلالية في القرار، وعلى قناعة مفادها أن مستقبل الكرد يجب أن يُصنع بإرادة الكرد أنفسهم، لا وفقاً لمصالح القوى المتنافسة في المنطقة.

قد يعجبك ايضا