إسماعيل الباباني .. حارس الأسماء المنسية

محمد علي محيي الدين

لم يكن إسماعيل الباباني مجرد اسمٍ عابر في سجلّ المؤرخين، بل كان ذاكرةً يقظةً تسعى إلى إنقاذ ما تفرّق من أسماء الكتب وأصحابها من غبار النسيان. هو إسماعيل باشا بن محمد أمين بن الأمير سليم الباباني البغدادي، وُلد في بغداد ونشأ في فضائها العلمي، حاملاً إرث أسرة بابان الكردية العريقة، ومندفعًا بشغفٍ لا يهدأ نحو البحث والتقصّي. وفي مرحلةٍ من حياته، آثر العزلة العلمية، فرحل إلى مقري كوي قرب الأستانة، متفرغًا للتأليف، وكأنّه انقطع إلى محراب المعرفة ليعيد ترتيب ما تناثر من تراثها.
كان عمله الأبرز في كتابه «إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون»، وهو جهدٌ موسوعيّ استدرك فيه على كتاب حاجي خليفة «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون»، فجمع ما أغفله سابقه، وأضاف أسماءً ومصنفاتٍ وشخصياتٍ ظلّت بعيدة عن التوثيق. لم يكن ذلك مجرد استكمالٍ تقني، بل كان فعلَ وفاءٍ للمعرفة، وسعيًا إلى إنصاف جهودٍ كادت أن تُمحى من الذاكرة الثقافية. وقد استغرق تأليف هذا العمل أربعةً وعشرين عامًا، وهي مدة تكشف عن صبرٍ نادرٍ ودأبٍ استثنائي، جعل من الكتاب مرجعًا لا غنى عنه للباحثين.
ولم يقف عطاؤه عند هذا الحد، بل أهدى المكتبة العربية كتابه «هدية العارفين في أسماء المؤلفين والمصنفين»، فكان بمثابة دليلٍ شاملٍ يعرّف برجالات الفكر وأصحاب التصانيف، مثبتًا مكانته بين كبار المصنفين الذين جمعوا بين سعة الاطلاع ودقة التوثيق. وقد حظي هذان العملان بعناية الباحثين، وتكررت طباعتهما لما لهما من قيمةٍ علميةٍ راسخة.
كان للباباني أيضًا ولعٌ خاص بتتبّع أنساب أسرته، وكأنّه في بحثه عن جذوره إنما كان يواصل ذات المهمة التي كرّس لها حياته: تثبيت الأسماء في مواجهة النسيان. وقد أشار إليه خير الدين الزركلي في «الأعلام»، كما ذكره جمال بابان في كتابه عن تاريخ بابان، غير أن تاريخ ميلاده ظل غامضًا، شأن كثيرٍ من تفاصيل حياة أولئك الذين انشغلوا بكتابة التاريخ أكثر من انشغالهم بكتابة سيرهم.
رحل إسماعيل الباباني سنة 1920، لكنه ترك خلفه أثرًا لا يبهت، إذ بقيت كتبه مناراتٍ للدارسين، ودليلًا على أن خدمة العلم ليست في ابتكار الجديد فحسب، بل في حفظ القديم، وصيانته، وإعادة تقديمه للأجيال. هكذا عاش، وهكذا بقي: حارسًا للأسماء التي كادت تضيع، وذاكرةً ترفض أن تنطفئ.

قد يعجبك ايضا