محمد علي محيي الدين
وُلد الدكتور أحمد خطاب العمر عام 1933 في تكريت، تلك المدينة التي أنجبت غير واحد من رجالات العلم والأدب، وفيها تفتحت أولى مداركه، وتشكلت ملامح ميوله نحو اللغة والمعرفة. أنهى دراسته الأولى بين أزقتها ومدارسها، قبل أن يشق طريقه في درب العلم، مدفوعًا بشغف مبكر نحو العربية، تلك التي ستغدو لاحقًا ميدان حياته وموضع أثره.

لم يكتفِ بما ناله من تحصيل أولي، بل مضى إلى آفاق أرحب، حتى انتهى به المطاف إلى جامعة القاهرة، حيث نال شهادة الدكتوراه عام 1976. وهناك، في رحاب واحدة من أعرق الجامعات العربية، صقل أدواته العلمية، واشتد عوده في البحث والتحقيق، متكئًا على تراث نحوي عريق، ومفتوحًا في الوقت نفسه على أسئلة العصر وإشكالاته.
عاد إلى العراق، ليبدأ مسيرته الأكاديمية، فكان تدريسيًا في جامعة الموصل، ثم ارتقى إلى موقع مساعد رئيس جامعة تكريت بين عامي 1989 و1992. ولم يكن حضوره في هذه المواقع إداريًا فحسب، بل كان حضور العالم المربي، الذي يرى في الجامعة فضاءً لبناء العقول، لا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات.
انتمى إلى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، وأسهم في الحياة الثقافية من خلال مشاركاته في المؤتمرات والندوات، داخل العراق وخارجه، متابعًا نبض الحركة الفكرية، ومشاركًا في حواراتها. غير أن أثره الأعمق ظل متجذرًا في كتبه وبحوثه، حيث تتجلى شخصيته العلمية بأوضح صورها.
ففي مؤلفاته، ولا سيما شرح أبيات سيبويه والقطع والاستئناف ومقدمة في النحو، يبرز ميل واضح إلى الغوص في علل اللغة وأسرارها، لا الاكتفاء بظواهرها. لقد كان نحويًا يميل إلى التحليل والتفسير، يعيد قراءة النصوص التراثية بعين فاحصة، فيكشف ما استتر من روابطها، ويعيد بناءها في ذهن القارئ بناءً محكمًا. ولم يكن عمله شرحًا تقليديًا بقدر ما كان حوارًا مع النص، واستنطاقًا لطاقاته الكامنة.
كما أن اهتمامه بموضوع التعريب يدل على وعيه بإشكالية المصطلح، وبحاجة العربية إلى أن تواكب التحولات العلمية والمعرفية. فهو، في هذا الجانب، لا يقف عند حدود التراث، بل يتطلع إلى المستقبل، محاولًا أن يجد للعربية موقعًا في عالم سريع التغير.
وإذا كان النحو ميدانه الأثير، فإن التربية كانت مجاله التطبيقي، حيث أشرف على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه، وناقشها، وأسهم في إعداد جيل من الباحثين الذين حملوا شيئًا من منهجه وروحه. وقد نشر عشرات المقالات والبحوث في الصحف والمجلات العراقية والعربية، مؤكدًا حضوره الدائم في ساحة الفكر.
ومع ذلك، فإن جانبًا من تراثه ما يزال حبيس المخطوطات، ينتظر من يمد إليه يد العناية، ليخرج إلى النور. وهو ما يطرح سؤالًا عن مصير كثير من الجهود العلمية التي تظل بعيدة عن التداول، رغم ما تنطوي عليه من قيمة معرفية.
نال خلال حياته عددًا من الأوسمة من مؤسسات علمية وتربوية، تقديرًا لعطائه، غير أن القيمة الحقيقية لأي عالم لا تُقاس بما يُمنح من تكريمات، بقدر ما تُقاس بما يتركه من أثر في العقول. وفي هذا، كان أحمد خطاب العمر واحدًا من أولئك الذين يعملون بصمت، ويتركون أثرهم في العمق، لا في الضجيج.
توفي عام 2007، بعد مسيرة امتدت لعقود، قضاها بين البحث والتعليم، تاركًا خلفه إرثًا علميًا يشهد له بطول الباع، ورسوخ القدم في ميدان اللغة والتربية.
إن استحضار سيرته اليوم ليس مجرد وفاءٍ لذكرى عالم، بل هو استعادة لقيمة العلم الهادئ، والعمل المتأني، في زمنٍ يغلب عليه الاستعجال. وهو تذكير بأن في تراثنا المعاصر أسماءً جديرة بأن تُقرأ من جديد، وأن تُنصف بما تستحق من عناية واهتمام.