زيارة بغداد… قراءة في حراك رئيس إقليم كوردستان السيد نيجرفان بارزاني وآفاق التحول السياسي

د ابراهيم احمد سمو

قبل زيارة بغداد، كان القلم يكتب بمرارة عن واقعٍ مثقلٍ بالتعقيدات، تتداخل فيه ملفات الحرب، ونفوذ الميليشيات، وتباين القوى السياسية التي كثيرًا ما بدت وكأنها في حالة شدٍّ وجذبٍ لا ينتهي. كان المشهد العام يوحي بحالة من الجمود النسبي، مع محاولات متفرقة لإعادة ترتيب التوازنات، إلا أن تلك المحاولات كانت تصطدم بزوايا مظلمة من المناورات السياسية التي تجري أحيانًا في وضح النهار. وفي ظل هذه المعطيات، لم يكن الشارع بعيدًا عن هذا الواقع، إذ أصابه شيء من الملل والترقب، بانتظار خطوةٍ نوعية تعيد الثقة وتفتح باب الأمل.

لكن بعد زيارة رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني إلى بغداد، بدا وكأن ثمة تحولًا قد بدأ يتشكل، ولو على مستوى الانطباع العام والقراءة الأولية للمشهد. فهذه الزيارة لم تكن مجرد لقاءات بروتوكولية عابرة، بل حملت في طياتها رسائل سياسية عميقة، وأعادت تسليط الضوء على إمكانية تحريك الملفات الراكدة، وفتح قنوات الحوار بين مختلف الأطراف.

لقد عُرف الحزب الديمقراطي الكوردستاني، عبر تاريخه السياسي، بأنه حزب الثوابت والصراحة، وحزب الشعارات الواضحة في تعامله مع الشعب. ومن هذا المنطلق، جاءت تحركات رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني منسجمة مع هذا النهج، حيث أظهر قدرة واضحة على قراءة الواقع السياسي والتعامل معه بمرونة دون التفريط بالثوابت. وهذه المعادلة، التي تجمع بين الثبات والمرونة، هي ما يمنح أي قيادة سياسية القدرة على إحداث التغيير، حتى وإن بدا المشهد معقدًا.

ولا يمكن إغفال أن شخصية رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني تمثل، في حد ذاتها، نقطة تحول في السياسة الإقليمية. فقد استطاع أن يفرض حضوره كفاعلٍ أساسي، ليس فقط داخل العراق، بل على مستوى العلاقات الإقليمية والدولية. ويعود ذلك إلى خبرته الطويلة في إدارة الملفات السياسية، إضافة إلى شبكة علاقاته الواسعة التي تمتد إلى العواصم العربية والدولية، وهو ما منحه مكانةً خاصة لدى مختلف الأطراف.

وفي هذه الزيارة تحديدًا، برزت أهمية التحرك المباشر والانفتاح على جميع القوى السياسية العراقية، سواء كانت شيعية أم سنية، في محاولة لبناء أرضية مشتركة للحوار. وقد جاءت جولاته ولقاءاته بمثابة انطلاقة جديدة لإعادة فتح ملفات عالقة، بعضها ظل لسنوات دون حلول حقيقية. كما أن هذه اللقاءات عكست رغبة واضحة في تجاوز الخلافات، والانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا تقوم على التفاهم والتنسيق.

ومن اللافت أن هذه الزيارة حظيت باهتمام واسع من قبل وسائل الإعلام والرأي العام، ليس فقط داخل العراق، بل في الصحافة العربية أيضًا. فقد ركزت العديد من التحليلات على طبيعة التحركات التي قام بها رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، وعلى الرسائل التي حملها خلال لقاءاته، معتبرةً أن هذه الزيارة قد تشكل بداية لمرحلة جديدة في العلاقات السياسية داخل العراق.

كما أن ملامح الترحيب التي ظهرت على وجوه المستقبلين لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل عكست شعورًا حقيقيًا بأن هناك فرصةً لإعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة. وهذا الشعور، وإن كان لا يكفي وحده لإحداث التغيير، إلا أنه يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، خاصة في ظل واقعٍ سياسيٍ يحتاج إلى مبادرات جريئة تعيد رسم ملامحه.

ومن زاوية أخرى، يرى العديد من المثقفين وأهل القلم أن هذه الزيارة تحمل نتائج مرتقبة، قد تسهم في دفع العملية السياسية نحو الأفضل. فالتجارب السابقة أثبتت أن التحركات النشطة، القائمة على الحوار والانفتاح، يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة، حتى في أكثر الظروف تعقيدًا. وقد أصبح يُضرب مثلٌ بين بعض الأوساط بأن أي أرض تطأها قدم رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، تعقبها بوادر اتفاقات وتفاهمات، وهو ما يعكس الثقة التي باتت ترتبط باسمه.

ولا يمكن الحديث عن هذه الزيارة دون الإشارة إلى الأسلوب الذي يتبعه السيد رئيس الأقليم في العمل السياسي، والذي يجمع بين الحضور الهادئ والابتسامة التي تبعث على الطمأنينة، وبين الحزم في المواقف والوضوح في الطرح. فهذه السمات الشخصية تلعب دورًا مهمًا في بناء الثقة مع الأطراف الأخرى، وتسهيل عملية التفاوض، خاصة في بيئة سياسية معقدة مثل العراق.

وعلى مستوى أوسع، فإن تحركات الرئيس بارزاني لا تقتصر على الداخل العراقي، بل تمتد إلى المحيط الإقليمي والدولي. فهو حاضر في المحافل الدولية، ويمتلك سجلًا حافلًا من اللقاءات والمشاركات التي تعكس دوره كأحد أبرز الفاعلين السياسيين في المنطقة. كما أن حضوره في دول الخليج والإمارات يعكس انفتاحًا على آفاق جديدة من التعاون، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.
وفي المقابل، فإن زيارته إلى بغداد تمثل جزءًا من هذا الحراك الأوسع، حيث يسعى إلى خلق بيئة سياسية مرنة، قادرة على استيعاب التحديات، وفتح المجال أمام بناء علاقات متوازنة بين مختلف مكونات العراق. وهذه الرؤية، إن كُتب لها النجاح، قد تسهم في بناء عراقٍ أكثر استقرارًا، يقوم على احترام الدستور، ويحقق تطلعات شعبه بمختلف أطيافه.

وفي الختام، يمكن القول إن زيارة بغداد التي قام بها رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني ليست مجرد حدثٍ عابر، بل تمثل محطة مهمة في مسار العمل السياسي العراقي. فهي تعكس محاولة جادة لإعادة تحريك المياه الراكدة، وبناء جسور الثقة بين الأطراف المختلفة. وبين ما كان عليه المشهد قبل الزيارة وما قد يكون عليه بعدها، يبقى الأمل قائمًا بأن هذه الخطوة ستكون بداية لمسارٍ جديد، يقود إلى عراقٍ أكثر استقرارًا وتوازنًا، تحكمه إرادة شعبه، ويستند إلى دستورٍ يجمع الجميع تحت مظلته.

قد يعجبك ايضا