حين تنتصر إرادة التعايش

د.احمد العامري

لا يولد الكره من فراغ إنما هو الابن الشرعي للجهل حين يستوطن العقول والقلوب.. والتخلف حين يُصبح ثقافة والتعصب إلى رأي حر! حينها يصبح كالسيف المسلول الذي يفتك بالجميع فالجاهل عدو ما يجهل والمتعصب أسير ما ورثه دون تفكير وما اجتمع الجهل والتعصب في أمة إلا أورداها موارد الهلاك وصيّرا أبناءها وقوداً لنار لا تبقي ولا تذر يبدأ الكره همساً في المجالس ثم يصير خطاباً على المنابر ثم يتحول إلى سلوك في الشارع وينتهي حطاماً في الأوطان! الكره لا يبني مدرسة ولا يفتح مصنعاً ولا يطعم جائعاً الكره حرفته الوحيدة هي الهدم حيث يهدم الثقة بين الجار وجاره ويفسد الود بين الأخ وأخيه ويجعل الوطن الواحد أوطاناً ممزقة يسكنها الخوف وهنا تنتصر إرادة الشر على إرادة التعايش وهنا تعد مشكلة كبيرة جدا وأما التعايش فهو ليس تنازلاً عن المبدأ ولا ذوباناً في الآخر بل هو شجاعة الاعتراف بأن الأرض تتسع للجميع وأن الاختلاف سنة الله في خلقه ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة المتعايش يعيش مطمئناً لا يبيت على خوف ولا يصبح على حقد.. قلبه واسع وعقله أكبر من أن تسجنه فكرة واحدة والبيت الذي يسوده احترام الاختلاف ينشأ فيه أبناء أسوياء لا يعرفون لغة الإقصاء يتعلمون الحوار قبل الصراخ والشراكة قبل الأنانية ومجتمع التعايش مجتمع منتج لا وقت فيه للمعارك الجانبية كل جهد يُصرف للبناء الشوارع فيه آمنة والمساجد والكنائس والمعابد تحرس بعضها بعضاً لأن الجميع أدرك أن المصير واحد.. اسألوا التاريخ هل ازدهر اقتصاد في ظل الكراهية والحقد والتطرف؟ التعايش هو البيئة الأولى للاستثمار لا مستثمر يضع ماله في أرض تتنازعها الأحقاد ولا سائح يزور بلداً يتصدر نشراته صراخ المتعصبين التعايش يعني استقراراً والاستقرار يعني مصانع تدور وموانئ تعمل وأسواق تمتلئ وفرص عمل للشباب بدل أن تتلقفهم عصابات التطرف. المواطن في بلد متعايش مواطن منتج دافع للضرائب لا عبئاً على الدولة. والبلد المتعايش بلد جاذب للعقول والكفاءات لا طارد لأبنائه. ولهذا نرى أن التاريخ لم يسجل أن أمة نهضت بالكراهية ولا أن بلداً عمره التعصب ولا أن شعباً سعد بالعداء.. كل من سلك طريق الإقصاء والاستعلاء بالرأي أوصله الطريق إلى الهاوية دولاً سقطت وحضارات اندثرت وشعوباً تشردت فلنتمسك بالتعايش لا كشعار نرفعه بل كسلوك نعيشه في بيوتنا في مدارسنا في أسواقنا في مجالسنا لننبذ كل وسائل العداء ولنكسر أصنام التعصب للرأي فالحق لا يعرف بطائفة والوطن لا يبنى بيد واحدة حين تنتصر إرادة التعايش تنهزم كل مشاريع الموت حين نختار السلام نختار أن نورث أبناءنا وطناً لا قبراً وأملاً لا ذكرى ومستقبلاً لا حطاماً فلنجعل كرهنا للكره نفسه وحبنا للسلام طريقاً فالأوطان لا تبنى بالحقد بل بالأيدي المتشابكة والقلوب المتسامحة والإرادة التي تقول نعيش معاً أو لا نكون والسلام ختام والتعايش حياة.

قد يعجبك ايضا