هيام حاجي أحمد- باحثة في الشؤون السياسية الكوردية ومتخصصة في التاريخ الحديث والمعاصر
يقتضي الفهم المتعمق للمشهد السياسي العراقي الراهن تفكيك التحولات البنيوية التي طرأت على العقل الاستراتيجي الأمريكي، والتي انتقلت بشكل تدريجي من تبني نظريات التغيير القسري والأيديولوجيا او”أدلجة السياسة” إلى مدرسة الواقعية الاقتصادية. ويمكن فهم هذا التحول في ضوء تطوّر نهج ادارة البيت الأبيض عبر حقب متعاقبة، بدءاً من جورج بوش الأب الذي ركّز على الاستقرار الدولي، مروراً بجورج بوش الابن الذي أعاد تعريف السياسة الخارجية ضمن إطار أمني–أيديولوجي، وصولاً إلى المقاربات الأحدث التي تميل إلى توظيف الاقتصاد كأداة مركزية في إدارة العلاقات الدولية.
غير أن الإدارة الأمريكية الحالية، ولا سيما في ظل نهج دونالد ترامب، أحدثت قطيعة مع تلك النماذج المؤدلجة، مستبدلةً إياها بمنطق “الدولة المقاولة” أو إدارة العلاقات الدولية كحزمة من الصفقات الاستثمارية. وفي هذا السياق، تراجعت “الأدلجة” لصالح “البراغماتية”، وهي المقاربة التي تتعامل مع الواقع كما هو، وتبحث عن أنجع الوسائل لتحقيق أهداف مادية ملموسة، بعيداً عن التحيزات الفكرية المسبقة. وبناءً عليه، لم يعد العراق يُرى في واشنطن كساحة للصراع بين مشاريع فكرية متضاربة، بل كمنصة اقتصادية واعدة تُقاس قوة العلاقة معها بحجم الاستقرار والقدرة على إدارة المصالح والصفقات المشتركة.
ويتجلى هذا التحول بوضوح عند تحليل الاستجابة الأمريكية تجاه الشخصيات السياسية العراقية الصاعدة التي تمتلك خلفيات تكنو-إدارية، كما هو الحال في التفاعل الأخير مع شخصية علي الزيدي. إن المعطيات الواردة في تقارير وكالات الأنباء العالمية، مثل “رويترز” و”أسوشيتد برس” في نهاية نيسان 2026، لا يمكن اختزالها في إطار الدبلوماسية الروتينية، بل هي مؤشر بحثي على رغبة أمريكية في التعامل مع شريك يتجاوز “القيود الأيديولوجية” الموروثة، ويتبنى بدلاً عنها لغة الأرقام وإدارة الأزمات. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن “البراغماتية الاقتصادية” التي تحكم نهج إدارة ترامب قد تجعل من شخصية “الزيدي” خياراً مفضلاً في نظر واشنطن، ليس بالضرورة بوصفه “الأفضل” مطلقاً، بل لكونه الأقرب لترجمة لغة المصالح والصفقات التي تتبناها المقاربة الأمريكية الحالية. فالولايات المتحدة، كما توحي تلك التقارير، قد ترى فيه شخصية قابلة للتعامل لسببين: الأول، أنه يبدو أقرب إلى منطق الإدارة والصفقات والمصالح، وهي عقلية قريبة من طريقة تفكير البيت الأبيض في إدارة الملفات الخارجية، والثاني، كونه رجل أعمال ورئيس مصرف الجنوب الإسلامي، ولم تكن له تجربة سياسية سابقة بارزة، مما يجعله أكثر اتساقاً مع منطق الصفقات الذي تفهمه الإدارة الأمريكية جيداً.
بناءً على ذلك، فإن نجاح أي نموذج صاعد لن يُقاس بالشعارات، بل بقدرته على تحويل الانفتاح الأمريكي إلى مكاسب ملموسة للعراق: اقتصادياً، وأمنياً، وفي تحقيق التوازن مع الإقليم، وحماية الداخل من رياح الحرب التي تهبّ من حوله. ومن هنا، لم تعد واشنطن تبحث عن القائد الذي يتبنى خطاباً فكرياً معيناً، بل عن القائد الأكثر فاعلية في ضمان الاستقرار الاقتصادي الذي ينعكس إيجاباً على سوق الطاقة والتجارة الدولية.
وفي المقابل، يضع هذا التحول إقليم كوردستان أمام فرصة وتحدٍ في آنٍ واحد، فالإقليم الذي تبنّى تاريخياً سياسة انفتاح اقتصادي، يمتلك اليوم مقومات التكيّف مع هذا النموذج البراغماتي، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية. غير أن الاستفادة من هذه اللحظة تتطلب انتقالاً من “الحياد الدفاعي” إلى “الشراكة الاقتصادية الفاعلة”، التي تقوم على مواءمة السياسات المحلية مع التحولات الدولية، لترسيخ موقع الإقليم كجسر اقتصادي استراتيجي يربط العراق بموازين القوى العالمية.