الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة، بجامعة هایدلبرغ، المانیا
مع مطلع مايو 2026، يدخل المشهد السياسي العراقي طوراً جديداً يمكن وصفه بـ”مرحلة إعادة التأسيس”، حيث تتقاطع الضرورات الداخلية مع التحولات الإقليمية لإنتاج حراك دبلوماسي مكثف بين بغداد وأربيل.
هذا الحراك، الذي يتخذ شكل “دبلوماسية المكوك”، لا يقتصر على كسر الجمود السياسي، بل يتجاوز ذلك نحو محاولة صياغة عقد سياسي جديد يعيد تعريف الشراكة بين المركز والإقليم.
بالتأکيد مثلت الأزمة الأخيرة ذروة تراكمات بنيوية في العلاقة بين حکومة إقلیم کوردستان و الحکومة الفدرالیة، أبرزها غياب الثقة وتباين تفسير النصوص الدستورية.
قرار الحزب الديمقراطي الكوردستاني بالانسحاب من مؤسسات الدولة الاتحادية لغرض المشاورة لم يكن خطوة تكتيكية بقدر ما كان تعبيراً عن أزمة تمثيل وشعور متزايد بالتهميش.
غير أن زيارة رئيس الوزراء المكلف السيد علي الزیدي إلى أربيل في الثاني من مايس و لقاءه بالمرجع الكوردستاني الرئیس مسعود بارزاني و رئیس الاقلیم السيد نیچیرڤان بارزاني و رئیس الوزراء السيد مسرور بارزاني حملت دلالات تتجاوز البروتوكول السياسي.
اختيار أربيل كأول محطة خارجية يعكس إدراكاً مبكراً بأن أي حكومة مقبلة لن تكتسب شرعيتها الكاملة دون إعادة دمج الكورد كشريك فعلي في القرار السياسي.
الأهم من ذلك، أن الرسائل التي حملها الوفد المرافق لم تقتصر على التهدئة، بل تضمنت إشارات إلى استعداد لمعالجة ملفات مزمنة طالما شكلت بؤر توتر، وفي مقدمتها قضية النفط والغاز، ورواتب موظفي الإقليم، وأمنه الداخلي.
أما زيارة الرئیس نیچیرڤان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، الیوم، في الرابع من مایس، إلى بغداد بهدف اللقاء بقادة العملیة السیاسية الفاعلة تمثل انتقالاً نوعياً من مرحلة “كسر الجليد” إلى “هندسة التفاهمات”.
المعروف عن رئیس اقلیم کوردستان بحکم ما یمتلکه من خبرة سياسية ورؤية سياسية ثاقبة للمستقبل، كونه “رجل تصفير الأزمات “.
فهذه الزيارة لا تستهدف إعادة إنتاج التوافقات الهشة التي سادت في مراحل سابقة، بل تسعى إلى تحويلها إلى التزامات قانونية ومؤسساتية قابلة للاستمرار.
في هذا السياق، تبرز نقطتان محوريتان: الأولى هي محاولة تثبيت الشراكة عبر أطر قانونية واضحة تقلل من تأثير التقلبات السياسية في بغداد.
أما الثانية، فتتعلق بإعادة ترتيب البيت الكوردستاني الداخلي، إذ إن توحيد الموقف بين أربيل والسليمانية يشكل شرطاً ضرورياً لتعزيز القدرة التفاوضية للكورد، ومنع استثمار الانقسامات الداخلية من قبل القوى السياسية الأخرى.
هنا نستطیع أن نقول بأنه لا يمكن فصل هذا الحراك عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تسعى أربيل إلى لعب دور “الوسيط المتوازن” بين مراكز النفوذ المختلفة.
فإعادة الانخراط في بغداد لا تهدف فقط إلى ضمان الحقوق الدستورية، بل أيضاً إلى إعادة صياغة موقع إقليم کوردستان ضمن معادلة النفوذ الإقليمي، خاصة في ظل تصاعد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على الساحة العراقية.
من هنا، تبدو “دبلوماسية المكوك” أداة مزدوجة الوظيفة:
فهي من جهة تعيد ترميم العلاقة مع الحکومة الاتحادية، ومن جهة أخرى تمنح إقليم کوردستان هامشاً أوسع للمناورة الإقليمية، مستفيداً من شبكة علاقاته الدولية والخليجية لتعزيز موقعه كفاعل استقرار.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نحن أمام تحول استراتيجي حقيقي أم مجرد هدنة تكتيكية؟فالإجابة علی هذا السؤال تعتمد على عدة عوامل حاسمة، أبرزها:
– مدى التزام بغداد بتنفيذ التعهدات، خصوصاً في الجوانب المالية والأمنية
– قدرة الأطراف الكردية على الحفاظ على وحدة موقفها التفاوضي.
– وجود إرادة سياسية عابرة للأزمات تتبنى مبدأ الشراكة كخيار استراتيجي لا كحل مؤقت.
خلاصة القول: تشير المعطيات الحالية إلى أن العراق يقف أمام فرصة نادرة لإعادة صياغة العلاقة بين بغداد وأربيل على أسس أكثر توازناً واستدامة.
“دبلوماسية المكوك” الجارية اليوم قد تنجح في بناء جسور الثقة التي انهارت خلال السنوات الماضية، لكنها تظل رهينة بتحول النوايا السياسية إلى سياسات ملموسة.
فإذا ما أُحسن استثمار هذه اللحظة، قد نشهد ولادة عقد سياسي جديد يعيد تعريف الدولة الاتحادية العراقية على قاعدة الشراكة الحقيقية والتوازن و التوافق.
أما إذا أُهدرت، فإن البلاد قد تجد نفسها مجدداً أمام دورة جديدة من الأزمات، أكثر تعقيداً وأعلى كلفةوالشعب یدفع کلفته باهضاً.
إذن الحوار البناء دائماً بدل القوة والدبلوماسية هي فن تقييد القوة.