من الشعارات القومية إلى صفقات الصمت من تخلى عن حقوق الكورد في سوريا؟

إدريس شكاكي*

منذ البدايات الأولى لتشكّل الحركة السياسية الكوردية في سوريا، لم تكن المطالب محل التباس أو غموض. فقد تأسست هذه الحركة على قاعدة واضحة الاعتراف بالوجود القومي للشعب الكوردي، وضمان حقوقه المشروعة ضمن إطار حل سياسي سوري شامل يحفظ وحدة البلاد ويؤسس لشراكة وطنية حقيقية. وعلى مدى عقود، ورغم اختلاف الأطر الحزبية وتباين أساليب العمل، بقي هذا العنوان الجامع هو القاسم المشترك الذي يلتقي عنده الجميع، بوصفه الحد الأدنى من العدالة التاريخية والسياسية.

ومع اندلاع الأزمة السورية، شهد الخطاب السياسي الكوردي تحولات لافتة، ليس من حيث الجوهر بقدر ما كان في أدوات التعبير عنه. فظهرت مفاهيم متعددة، من الفيدرالية إلى اللامركزية السياسية، ومن طرح الأمة الديمقراطية إلى التأكيد على الشراكة الوطنية السورية، وصولًا إلى الدعوة للاعتراف بالحقوق القومية ضمن صيغ إدارية وسياسية مختلفة. ورغم هذا التعدد، بقيت المطالب تدور في فلك واحد تثبيت الحقوق القومية للشعب الكوردي ضمن تسوية سياسية عادلة.

غير أن التحول الأبرز برز بعد سقوط بنية النظام السابق وصعود سلطة انتقالية جديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع، حيث طرحت مبادرات حملت طابعا إيجابيا في ظاهرها، مثل إصدار مراسيم تتعلق بإحياء عيد نوروز كعطلة رسمية، ومعالجة ملفات إنسانية عالقة كقضية المجردين من الجنسية في محافظة الحسكة. وهي خطوات لا يمكن التقليل من رمزيتها، لكنها في الوقت ذاته لا ترقى إلى مستوى الاعتراف السياسي الحقيقي بحقوق الشعب الكوردي بوصفه مكونا قوميا أصيلًا في البلاد.

الإشكالية لا تكمن فقط في محدودية هذه الإجراءات، بل في غياب الاعتراف بالحركة السياسية الكوردية كشريك سياسي وممثل فعلي لقضية شعبه، وفي غياب حوار جاد ومباشر معها حول مستقبل البلاد وشكل النظام السياسي. فالقضية الكوردية لا تختزل في قرارات إدارية أو مبادرات رمزية، بل تحتاج إلى معالجة سياسية شاملة تضمن الحقوق ضمن نصوص دستورية واضحة.

وفي مقابل هذا الواقع، يبرز تساؤل أكثر حساسية لماذا يبدو أن الحركة السياسية الكوردية نفسها لم تعد عند مستوى شعاراتها التاريخية؟ ولماذا خفت صوت المطالبة بالحقوق القومية لصالح انشغالات أخرى أقل وزنا؟ إن جزءا من المشكلة بات داخليا، حيث يظهر أن بعض القوى انزلقت نحو حسابات ضيقة، وانشغلت بالبحث عن مواقع ضمن السلطة الانتقالية أو مكاسب آنية، بدل التمسك بالمطالب الجوهرية التي ناضلت من أجلها لعقود.

هذا التباين بين تاريخ حافل بالشعارات الكبيرة وواقع يطغى عليه التردد أو التراجع، يضع الحركة السياسية الكوردية أمام اختبار حقيقي. فإما أن تعيد ترتيب أولوياتها، وتستعيد خطابها الموحد المرتكز على الحقوق القومية المشروعة ضمن حل سياسي شامل، أو أن تستمر في حالة التشتت التي تضعف قدرتها على التأثير، وتمنح الآخرين فرصة تجاوزها في رسم مستقبل البلاد.

إن اللحظة الراهنة لا تحتمل أنصاف المواقف. فحقوق الشعوب لا تصان بالمجاملات السياسية ولا تختزل في مبادرات رمزية، بل تنتزع عبر وضوح الرؤية وصلابة الموقف ووحدة الصف. وما لم تدرك الحركة السياسية الكوردية في سوريا هذه الحقيقة، فإن السؤال سيبقى مطروحا بإلحاح أكبر أين ذهبت الشعارات التي رافقت مسيرتها لعقود، ولماذا لم تتحول حتى الآن إلى واقع سياسي ملموس؟

*عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي

قد يعجبك ايضا