سوريا وجغرافيا الفرص الجديدة في زمن الممرات البديلة

     عزالدين ملا

يتجه العالم بخطى متسارعة نحو إعادة تشكيل موازين القوة، فلم تعد خرائط النفوذ تُرسم فقط على خطوط الجبهات العسكرية أو في غرف العمليات الأمنية، بل باتت تُرسم على طاولات الاقتصاد العالمي وفي ممرات الشحن البحري، وعلى امتداد شبكات التجارة الدولية التي أصبحت شريان الحياة للدول الكبرى والصغرى على حد سواء. لقد تحوّل مفهوم الأمن ذاته من أمنٍ عسكري تقليدي إلى أمنٍ اقتصادي شامل، تتداخل فيه حماية سلاسل التوريد مع حماية الاستقرار السياسي، ويصبح فيه أي تهديد لممر بحري أو مضيق استراتيجي بمثابة تهديد مباشر للاقتصاد العالمي، وليس مجرد أزمة إقليمية محدودة.
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وما رافقها من تصاعد في التهديدات الإيرانية للممرات المائية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، بدأت القوى الدولية والإقليمية تعيد النظر في خريطة الممرات التجارية الاستراتيجية. فلم يعد الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية خياراً مضموناً في ظل احتمالات التصعيد، بل أصبح البحث عن ممرات برية بديلة أولوية متقدّمة في حسابات الأمن الاقتصادي العالمي. ومن هنا بدأت الأنظار تتجه تدريجياً نحو الجغرافيا السورية بوصفها إحدى المفاتيح المحتملة لبناء ممرات بديلة تربط الخليج بالبحر المتوسط، الأمر الذي يجعل استقرار سوريا وإنهاء أزماتها الداخلية.
في هذا السياق، تبدو الضغوط الأمريكية المتصاعدة على إيران وكأنها جزء من معادلة أكبر من مجرد صراع سياسي تقليدي بين دولتين بل تعكس تحوّلاً في أولويات السياسة الدولية، حيث أصبحت حماية الاقتصاد العالمي وضمان تدفق الطاقة وتأمين حركة التجارة أهدافاً مركزية في الاستراتيجيات الكبرى. لم يعد السؤال الرئيسي، من يسيطر عسكرياً؟ بل أصبح، من يضمن استمرار حركة التجارة دون اضطراب؟ ومن يستطيع حماية الممرات التي تعبرها ناقلات النفط وسفن الحاويات التي تغذي الاقتصاد العالمي؟
إن قراءة الضغوط الأمريكية على إيران من هذا المنظور تفتح الباب أمام احتمال أن تكون المنطقة على أعتاب مرحلة إقليمية جديدة عنوانها حماية الاقتصاد العالمي قبل أي اعتبار آخر. فإيران بحكم موقعها الجغرافي وتأثيرها المباشر أو غير المباشر على مضيق هرمز، تمثل لاعباً أساسياً في معادلة أمن الطاقة العالمية. وأي تصعيد في تلك المنطقة لا يُنظر إليه فقط باعتباره تهديداً لأمن الخليج بل باعتباره تهديداً للنمو الاقتصادي العالمي وارتفاعاً محتملاً في أسعار الطاقة واضطراباً في الأسواق المالية، وهو ما يدفع القوى الكبرى إلى التفكير بجدية في إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية التقليدية.
من هنا يمكن القول إن الضغوط الأمريكية ليست مجرد سياسة احتواء تقليدية بل محاولة لإعادة ضبط إيقاع المنطقة بما يتناسب مع متطلبات الاقتصاد العالمي.
إن أمن الممرات البحرية وخاصة مضيق هرمز، أصبح اليوم أحد أهم العوامل التي تحدد سياسات القوى الكبرى تجاه المنطقة. فذلك المضيق الضيّق جغرافياً الواسع تأثيراً يمثل نقطة عبور حيوية لنسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. وإن الاضطراب الذي حصل خلق سلسلة من الأزمات الاقتصادية بدأت بارتفاع أسعار النفط وانتقلت إلى حدودتباطؤ النمو الاقتصادي. ولذلك فإن القوى الكبرى لا تنظر إلى أمن مضيق هرمز كمسألة إقليمية تخص دول الخليج وحدها بل كمسألة دولية تمس استقرار الاقتصاد العالمي بأسره وتفرض البحث عن حلول بديلة تضمن استمرارية تدفق التجارة في مختلف الظروف.
غير أن المشهد لا يقتصر على الممرات البحرية فقط بل يمتد إلى البحث عن ممرات برية بديلة يمكن أن تقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية. ويزداد هذا التوجه وضوحاً مع تكرار التهديدات التي تطال مضيق هرمز، حيث تزداد المخاوف الدولية من احتمالات تعطّل تدفق النفط والبضائع، الأمر الذي يدفع القوى الكبرى إلى تسريع البحث عن بدائل عملية وآمنة. وفي هذا الإطار تبرز سوريا بوصفها عقدة جغرافية فريدة تقع عند تقاطع طرق تاريخية تربط آسيا بأوروبا والخليج بالبحر المتوسط والعراق بتركيا وإيران بالساحل الشرقي للمتوسط. هذه الجغرافيا التي كانت يوماً ساحة صراع مفتوح قد تتحول في المستقبل إلى فرصة استراتيجية كبرى إذا ما أُعيد بناء الدولة السورية على أسس الاستقرار والانفتاح الاقتصادي.
إن الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا مستقبلاً في مشروع إيجاد ممرات تجارية بديلة لا يرتبط فقط بموقعها الجغرافي بل بقدرتها على التحول إلى بيئة آمنة للاستثمار والبنية التحتية. فالعالم يبحث اليوم عن بدائل تقلل من المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة وعن طرق برية تربط الخليج بالبحر المتوسط وتتيح نقل البضائع والطاقة بمرونة أكبر.
وفي هذا الإطار يمكن أن تصبح الأراضي السورية جزءاً من شبكة لوجستية إقليمية كبرى تربط الموانئ الخليجية بالموانئ المتوسطية وتوفر بديلاً استراتيجياً في حالات الطوارئ أو الأزمات التي قد تصيب الممرات البحرية.
غير أن تحقيق هذا الدور يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً حقيقياً داخل سوريا، وهو ما يعيدنا إلى السؤال الأهم، هل يشكل استقرار سوريا شرطاً أساسياً لاستقرار الشرق الأوسط أم أنه نتيجة طبيعية لتفاهمات إقليمية ودولية أوسع؟ في الواقع يبدو أن العلاقة بين الأمرين جدلية ومتداخلة، حيث يصعب تحقيق استقرار حقيقي في المنطقة دون استقرار سوريا، كما يصعب تحقيق استقرار سوريا دون توافقات إقليمية ودولية تضمن توازن المصالح.
فالعالم اليوم لا ينظر إلى استقرار سوريا فقط باعتباره شرطاً لإعادة إعمارها أو تحسين أوضاعها الداخلية بل باعتباره شرطاً ضرورياً لإنجاح مشاريع الممرات البديلة التي قد تصبح في المستقبل جزءاً أساسياً من منظومة التجارة الدولية. ولذلك فإن الضغوط الدولية والإقليمية باتت تتجه نحو الدفع بالأطراف السورية المختلفة إلى إنهاء أزماتها الداخلية وتشكيل جبهة وطنية مستقرة قادرة على حماية هذه الممرات وتأمينها، بما يضمن استمرار تدفق التجارة في حال تعرض الممرات البحرية وخاصة مضيق هرمز لأي تهديد أو تعطيل.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الفوضى في سوريا لم تبقَ داخل حدودها بل امتدت آثارها إلى دول الجوار وأثرت في أمن الطاقة وحركة التجارة وحتى في سياسات الهجرة العالمية. وهذا يعني أن استقرار سوريا لم يعد شأناً داخلياً فقط بل قضية إقليمية ودولية ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واسعة. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى أي مشروع لإعادة إعمار سوريا أو دمجها في شبكات التجارة العالمية بوصفه استثماراً في استقرار الشرق الأوسط بأكمله وفي حماية منظومة التجارة الدولية من المخاطر التي قد تنشأ عن تعطّل الممرات البحرية.
وفي المقابل فإن التفاهمات الإقليمية والدولية تلعب دوراً حاسماً في خلق البيئة المناسبة لاستقرار سوريا. فالتنافس بين القوى الكبرى والإقليمية داخل الأراضي السورية كان أحد أبرز أسباب استمرار الصراع وتعقيده. وإذا ما تحولت أولويات هذه القوى من الصراع على النفوذ إلى التعاون على حماية التجارة والاستثمار، وخاصة في ظل الحاجة إلى إنشاء ممرات بديلة تقلل من الاعتماد على مضيق هرمز، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتراجع فيها النزاعات العسكرية لصالح شراكات اقتصادية طويلة الأمد.
إن التحول من سياسة الصراع التقليدي إلى سياسة تقوم على حماية التجارة والاستثمار يمثل تحدياً كبيراً لدول المنطقة التي اعتادت لعقود طويلة على إدارة خلافاتها عبر أدوات القوة الصلبة. فالتكيف مع هذا التحوُّل يتطلّب إعادة صياغة السياسات الوطنية وتطوير بنى تحتية حديثة وتحسين بيئات الاستثمار وتعزيز الشفافية والاستقرار القانوني، إضافة إلى تغيير في الذهنية السياسية بحيث يصبح الاستقرار الاقتصادي هدفاً استراتيجياً يوازي في أهميته الأمن العسكري.
بالنسبة لسوريا، فإن هذا التحول يحمل في طياته فرصاً وتحديات في آن واحد. فالفرصة تكمن في إمكانية إعادة تعريف دورها من ساحة صراع إلى محور عبور تجاري ومن دولة منهكة بالحروب إلى دولة تستفيد من موقعها الجغرافي لتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة. أما التحدي فيكمن في قدرة الدولة السورية المستقبلية على بناء مؤسسات قوية وضمان الأمن وإعادة الثقة للمستثمرين وخلق بيئة سياسية واقتصادية قادرة على الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي، خصوصاً في ظل التوقعات المتزايدة بأن تصبح الأراضي السورية جزءاً من منظومة الممرات البديلة التي تحمي التجارة الدولية.
إن مستقبل الشرق الأوسط في ضوء هذه التحولات قد يتجه نحو نموذج جديد يصبح فيه الاستقرار الاقتصادي هو الأساس الذي تُبنى عليه التحالفات وليس العكس.
وعند النظر إلى سوريا من هذا المنظور فإنها تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن تبقى أسيرة صراعات الماضي وتظل ساحة تنافس مفتوح بين القوى الإقليمية والدولية، أو أن تتحول إلى جزء من شبكة اقتصادية إقليمية واسعة تضمن لها الاستقرار الداخلي وتمنحها دوراً محورياً في إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة، خاصة في ظل الحاجة العالمية المتزايدة إلى ممرات برية بديلة تقلل من المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية التقليدية.
في قلب هذا التحوُّل تقف سوريا كحجر زاوية محتمل يمكن أن يسهم في بناء شرق أوسط جديد، لا تُقاس فيه قوة الدول بعدد الصواريخ التي تملكها بل بعدد الطرق التي تفتحها أمام التجارة وعدد الممرات التي تؤمّنها بين الخليج والبحر المتوسط وعدد الجسور التي تبنيها بين الأسواق.
وإذا ما نجحت سوريا في تجاوز أزماتها الداخلية وبناء جبهة وطنية مستقرة قادرة على حماية هذه الممرات، فإنها قد تتحول من ساحة صراع أنهكتها الحروب إلى محور استراتيجي يساهم في حماية الاقتصاد العالمي، ويمنح شعبها فرصة حقيقية للعيش في ظل استقرار اقتصادي وسياسي مستدام.

قد يعجبك ايضا