بين الاستحقاق الانتخابي والتوافق السياسي نموذج مدينة كركوك

“من ليس بستانياً سوف يعطي وروده للغير فيما البلبل يبكي وردته التي قطفوها ”

الشاعر فاضل العزاوي

د. توفيق رفيق آلتونچي

التوافق السياسي غير ديمقراطية بالمعنى الصحيح لأنها يلغي نتيجة الانتخابات وتضرب بعرض الحائط ما اختاره الشعب. ان الاتفاقيات بين الأحزاب يجب ان تبقى بين الأحزاب والائتلاف يعني جمع الإرادات في إيجاد القاسم المشترك بين تلك الأحزاب المؤتلفة لتشكيل حكومة. هذا الوضع ديمقراطي وطبيعي. لكن في معظم الأحوال تكون توزيع المهام والمقاعد في تلك الحكومات المؤتلفة تكون حسينية نتائج نلك الأحزاب . لكن ما حصل في كركوك هو اتفاق حزبي والتفاف حول صناديق الاقتراع وصوت الناخب.

هذا التوافق السياسي يعود جذوره إلى مؤتمر المعارضة العراقية في لندن الذي عقد في 14 و 15 كانون الأول من عام 2002 وكان بهدف توحيد فصائل المعارضة العراقية والتحضير لمرحلة ما بعد سقوط الدكتاتور . حيث تجمعت المعارضة لرسم إستراتيجيتهم للمستقبل وهناك وثيقة في كتاب المرحوم عزيز قادر صمناچى بتوقيع المرحوم مام جلال على التوافق بينهم كاتحاد وطني وتوركمان العراق. المرحوم من مواليد 1930، كركوك، العراق. والمرحوم عسكري عراقي متقاعد، أكمل دراسته في كلية القانون والسياسة أثناء خدمته العسكرية وتخرج منها حائزاً على شهادة بكالوريوس في القانون والسياسة عام 1974 مارس مهنة المحاماة بعد إحالته على التقاعد.

هناك ١٦ مقعدا مخصصا لمجلس المدينة ، من ظمنها مقعد الكوته توزع على الشكل التالي:

كركوك قوتنا وإرادتنا: 5 مقعد التحالف العربي: 3 مقعد جبهة التركمان: 2 مقعد الديمقراطي الكردستاني: 2 مقعد تحالف القيادة: 2 مقعد تحالف العروبة: 1 مقعد حركة بابليون/كوتا: 1 مقع من مجموع أعضاء المجلس الأكراد يمثلون ٤٤٪ لكن الاتفاق السياسي في فندق الرشيد كان على أساس التقسيم التوافقي الذي لا يعتمد على الانتخابات او اعداد سكان كل قومية من القوميات الثلاث والعقائد الدينية المختلفة في المدينة وتم التقسيم رياضيا على ثلاثة كما هو معروف. بغياب الحزب الديمقراطي الكوردستاني وعدم احترام الدستور وقد كانت المادة الدستورية ١٤٠ تنص في احدى فقراتها على اجراء تعداد لسكان المحافظة الذي كان هدفا مباشرا للتعريب في سنوات الحكم البعثي وتغير سكاني واداري حيث تغير حدودها الإدارية وفصل عنها جميع القرى والأرياف ذو الكثافة السكانية الكوردية وتم قتل وتشريد القرى الاخري في گرميان عمليات الأنفال والمقابر الجماعية

بعد ان صوت مجلس محافظة كركوك، تم انتخاب السيد محمد سمعان ، رئيس الجبهة التركمانية محافظا جديداً، طبقاً لاتفاق “تدوير المنصب” السياسي الذي جرى في “فندق الرشيد”، وذلك وسط مقاطعة من أعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني اي بحضور ١٤ من اعضائه. في الديمقراطيات في الغرب تكون نتائج الانتخابات الحد الفاصل لتشكيل الحكومات وكل ما يحصل قبل وأثناء الحملات الانتخابية هي مجرد وعود انتخابية .

السويد مثلا على أبواب انتخابات في أيلول المقبل وقد وعد رئيس الوزراء الحالي رئيس حزب ديمقراطيو السويد بحقيبة وزارة اللاجئين قبل إجراء الانتخابات النيابية وهذا موضوع حساس بالنسبة لجميع الأحزاب لان هذا الحزب يعادي الأجانب ويوعد بإجراء تغيرات جذرية في المسائل المتعلقة باللجوء في المملكة. هذا الوعد لعدم اعتماده على نتيجة انتخابات قوبل بالتهجم لانه لا يعتمد على نتيجة تصويت انتخابي ولا يجوز ان يعد احد حقائب وزارية دون ان يكون هناك توكيل مباشر من الشعب لتشكيل حكومة بعد الانتخابات. ويبقى الأمر مجرد وعدا حزبيا لا يعتمد على صوت الناخبين.

هذا ما حصل فعلا مع تدوير مقعد محافظ مدينة كركوك فهي ليس كنتيجة واستحقاق انتخابي بل لاتفاقيات حزبية بين جماعات وإساءة كبيرة الأعراف الديمقراطية. هذا لا يعني أبدا انه يجوز المساومة قوميا على هذا المقعد لان الاتحاد الوطني كحزب لا يعتبر نفسه قوميا كورديا بل الاتحاد كوردستاني ويشمل جميع ابناء شعب كوردستان وهذا يعني بان هناك من التوركمان والعرب والمسيحيين منطوين تحت مظلة هذا الاتحاد وحال فوز الاتحاد يمكن تداول المقعد بين أعضائه من العرب او التوركمان والمسيحيين. ناهيك عن ان الائتلاف الذي دخل فيه الانتخابات ( كركوك قوتنا وارادتنا) فيه الحزب الشيوعي الذي أعضاءه من كل القوميات. اي ديمقراطيا اي شخص ومن اي قومية او عقيدة وحتى طائفة دينية وينتمي إلى الاتحاد يمكنه ان يحصل على المقعد الديمقراطية . لكن المخاصصة التي تعيشها الحياة السياسية العراقية أدى إلى متاهات وعرة فقد تحول الأحزاب إلى تكتلات طائفية او قومية. الجبهة التركمانية خاص فقط بالتوركمان وعلى الأكثر يقوم القوميون بالسيطرة عليها بالكامل وهم نسخة طبق الأصل من حزب الحركة القومية في تركيا ويرددون نفس الشعارات والأفكار وحتى مؤسساتهم الإعلامية خاضعة لتركيا. هذا رغم وجود قوى سياسية اخرى تحت مظلتها. وهذا هو تركيبة الأحزاب والجماعات العربية في المدينة اي كل أعضاءها من العرب.

يبقى ان نعلم بان الحزب الديمقراطي الكوردستاني اكبر احزاب الاقليم والذي تأسس في 16 آب عام 1946 بقيادة الزعيم الخالد المرحوم مصطفي البارزاني وكان في البداية اسم الحزب هو (الحزب الديمقراطي الكردي) ولكن في المؤتمر الثالث بتاريخ 26/1/1953 المنعقدة في مدينة كركوك، تقرر تغيير الاسم إلى (الحزب الديمقراطي الكوردستاني) كي يشمل جميع ابناء شعب كوردستان دون تحديد قومي وهذا ما سهل مشاركة التوركمان كذلك في ثورة كوردستان امثال مجموعة المرحوم عزالدين قوجوه والمسيحيون والايزيديون وأبناء العقائد الأخرى لكننا نرى في التطبيق وحتى بعد مرور كل تلك السنين ان الحزب لم يصل إلى ذلك الهدف لحد الان وبقى طابعها الأساسي قومي كوردي. رغم انه نجح في استقطاب ابناء جميع العقائد الدينية في كوردستان. اما حكومة الإقليم ورغم كونها تجربة ندية فإنها وبدرجة اكبر تمثل التركيبة القومية والعقائدية لشعب كوردستان.

اليوم تعتبر التجربة الديمقراطية في الإقليم رغم جميع المعوقات والحصار الاقتصادي من قبل الحكومة الاتحادية من انجح تجارب الحكم في المنطقة وحبذا لو تمكن حكومات الدول المجاورة الاستفادة منها ودعمها لما يشكل التجربة من عامل استقرار وسلام في المنطقة من ناحية ومن ناحية اخرى يحقق مطامع شعوبها وعقائدها وثقافتها المختلفة.

2026

الإشارات؛

إقليم كوردستان واحة التعايش، حوار الأديان، تقبل الاخر المختلف و التسامح الديني

شعب كوردستان والنموذج السويسري

أخر الملائكة يحلق في سماء كركوك القرمزية الأديب فاضل العزاوي

قد يعجبك ايضا