خالد بهلوي
منذ سنواته الأولى، يطالب الطفل الرضيع بحقه في الغذاء عندما يشعر بالجوع، ويُعبِّر عن ذلك بالبكاء. ومع تقدمه في العمر يبدأ بالمطالبة بحقوق أخرى، كاللباس والطعام الجيد والألعاب. ولما يدخل المدرسة يطالب بالكتب واللوازم التعليمية، لكنه في المقابل يترتب عليه واجب الالتزام بالدوام المدرسي، والمحافظة على كتبه، وأداء واجباته الدراسية، واحترام الأنظمة والتعليمات المدرسية.
ومع مرور الزمن يزداد وعي الإنسان بحقوقه وواجباته في مختلف مراحل الحياة. فعندما يتخرج بشهادة جامعية ويبدأ حياته العملية، يطالب بحقوقه الوظيفية كاملة بما يضمن له حياة كريمة ومستقرة، وعليه أن يلتزم بأداء مهامه الوظيفية بإخلاص ودقة، وأن ينفذ ما يُكلَّف به من أعمال بروح المسؤولية الملقاة على عاتقه.
لذلك، لكل مواطن حقوق وعليه واجبات. ومن أبرز هذه الحقوق الحصول على مستلزمات المعيشة وضرورات الحياة الأساسية، والاستفادة من الخدمات الصحية والعلاجية المناسبة، والحصول على راتب تقاعدي يضمن له العيش الكريم، والعمل في مهنة تناسب مؤهلاته مقابل أجر عادل يضمن له مستوا معيشيًا لائقًا. إضافة إلى حقه في التعبير عن آرائه وأفكاره ضمن إطار القانون واحترام حقوق الآخرين، والتمتع بالمساواة والحرية الكاملة دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو العرق أو الانتماء الاجتماعي.
وفي المقابل، عندما يطالب بالخدمات العامة من حدائق وشوارع نظيفة، يكون مطالبًا أيضًا بالحفاظ على هذه الخدمات وعدم الإضرار بها، كونها ملكًا لجميع المواطنين. ومن حقه التعليم بكافة مراحله، فالمعلم الذي نال حقه في التعليم والتأهيل تقع على عاتقه مسؤولية تعليم الأجيال الجديدة بكل أمانة وإخلاص، تمامًا كما تلقى هو التعليم من قبل. كذلك على الطبيب أن يمارس مهنته بكل أمانة ونزاهة، وكذلك المهندس والعامل الحرفي. وتنطبق هذه الواجبات على مسؤولي الأحزاب والمؤسسات، وبشكل خاص على من هم في مواقع القرار القيادي على مختلف المستويات.
ومن واجبات المواطن أيضًا الالتزام بالقوانين التي تنظم حياة المجتمع وتحافظ على أمنه واستقراره، والمساهمة في حماية الوطن والدفاع عن مصالحه، والمحافظة على المرافق العامة والموارد الطبيعية، وأداء الواجبات المهنية بجدية وإتقان للمساهمة في التنمية الاقتصادية، إلى جانب أهمية التعامل مع الآخرين بروح التعاون والتسامح والاحترام المتبادل.
غير أن التحدي الحقيقي يظهر عندما يزداد تركيز الإنسان على المطالبة بحقوقه مقابل تراجع إحساسه بواجباته. فالجميع يتحدث عن حقوق العمل والخدمات والعدالة وحرية التعبير والعيش الكريم، وهي مطالب مشروعة لا خلاف عليها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يؤدي كل فرد واجباته بالقدر نفسه الذي يطالب فيه بحقوقه؟
كثيرًا ما نشهد حالات من التناقض؛ فقد يطالب البعض بالعدالة وهم يمارسون الظلم بحق الآخرين، بينما يتهاونون في أداء واجباتهم. وفي المجتمعات التي تعاني أزمات سياسية أو اقتصادية، يتراجع الشعور بالمسؤولية أحيانًا أمام تصاعد النزعة الفردية والخوف من المستقبل وفقدان الثقة بالمؤسسات، فينشأ سلوك نفعي يقوم على مبدأ: «فخار يكسر بعضه بعضًا».
والأخطر من ذلك ما ينعكس على العلاقات اليومية بين أفراد المجتمع؛ فعندما يفقد الناس الإحساس بالتوازن بين الحقوق والواجبات، تضعف روح التعاون والتضامن، ويزداد الاحتقان الاجتماعي، وتتحول الحياة العامة إلى ساحة تنافس وصراع على المصالح والمكاسب.
فالمواطن الذي يطالب بدولة عادلة عليه أيضًا أن يكون شريكًا في صناعة هذه العدالة من خلال سلوكه اليومي، واحترامه للقانون، وإتقانه لعمله، وحفاظه على المال العام، ومساهمته في مكافحة الفساد.
فكلما احترم المواطن حقوقه وأدى واجباته بإخلاص، أسهم بإيجابية في خدمة مجتمع عادل تسعى قيادته إلى تحقيق المساواة والكرامة لكل مواطن. ولذلك فإن تعزيز ثقافة المواطنة والمسؤولية يمثل أساسًا لتحقيق التنمية والاستقرار، وبناء مستقبل أكثر عدالة ومساواة لجميع أبنائه.