د. جوتيار تمر
اقليم كوردستان العراق
تكتمل الدائرة النقدية لتشخيص أزمات المجتمعات النامية التي تعيش شتاتا في الهوية وقلقا وجوديا تجاه قضاياها المصيرية، بالانتقال من نقد المنتج الكونكريتي ومظاهر العمران إلى تشريح عقلية الصانع؛ ذلك الحاكم الذي يتخذ من هندسة الشوارع والقرى السياحية ذات المسميات الغربية قناعا لفرض سلطوية أحادية تحكم بالخوف، وتقتات على تعميق الانقسام الداخلي؛ إن الحاكم الذي ينفرد بالقرار ويمسك بزمام الأمور بقبضة من حديد، يخضع لنمط سيكولوجي وسياسي يمكن تفكيكه بربط أبعاده المختلفة.
في غياب الإجماع السياسي الحقيقي، وفشل السلطة في تقديم حلول بنيوية للقضية القومية أو تحقيق اتحاد مجتمعي، وحل للمشاكل الاقتصادية، يلجأ الحاكم إلى ما يمكن تسميته بشرعية الإنجاز البصري، حيث يحول الجغرافيا إلى واجهة عرض مخصصة للاستهلاك الخارجي ولإبهار الداخل المأزوم؛ العمران هنا ليس حركة تنموية لخدمة الإنسان، بل استراتيجية حجب، فالطرق الدولية والشقق الفاخرة تشيد لتغطية التآكل الداخلي والضياع النفسي والاجتماعي للمواطن؛ والمفارقة الصارخة تكمن في إطلاق أسماء عالمية على المجمعات والقرى السياحية، وهي محاولة واعية لتعويض النقص السياسي عبر استيراد هوية لغوية هجينة تزيد منسوب الاغتراب لدى إنسان يعاني أصلا من ضياع هويته الذاتية والقومية.
وتظهر شخصية الحاكم المعاند هنا كشخصية ترفض تقديم التنازلات أو التسهيلات لحل الأزمات الداخلية، وهذا العناد ليس مجرد سمة شخصية أو انفعالية، بل خيار استراتيجي مدروس، فالإبقاء على شرائح المجتمع في حالة تفرقة وتشتت يضمن غياب الكتلة الحرجة القادرة على المطالبة بالمحاسبة أو الشراكة السياسية، ومن خلال زرع الخوف الذي يصل إلى أقرب المقربين، يصنع الحاكم فضاء من الرعب الصامت يمنع تشكل أي وعي جمعي متماسك، فبقاؤه مرهون بتفكيك روابط الاتحاد المجتمعي وتحويل نفسه إلى المرجعية الوحيدة والمخلص الأوحد في وعي المجتمع.
ولا يقتصر هذا النمط من الحكم على احتكار القرار السياسي فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل أولويات المجتمع نفسه، فحين تقدم مشاريع الواجهات العمرانية بوصفها الإنجاز الأهم، تتراجع في الوعي العام الأسئلة المتعلقة بجودة التعليم، وحرية التعبير، وعدالة توزيع الثروة، وفاعلية المؤسسات، وغياب القانون، وشرعنة اللامعقول، وهكذا يتحول النقاش من مساءلة السلطة عن مستقبل الإنسان إلى الانشغال بإحصاء الأبراج والجسور والواجهات الحديثة، وكأن قيمة الأوطان تقاس بما يرتفع فوق الأرض لا بما يرتقي داخل الإنسان.
ينتج عن هذا النمط من الحكم توليد حالة من العجز المكتسب لدى الأفراد والمثقفين على حد سواء، فعندما يرى الإنسان أن كل تفاصيل حياته وقضيته تدار بعقلية الشخص الواحد، ينكفئ داخليا ويعيش ضياعا ثلاثي الأبعاد يبدأ من الضياع الذاتي والنفسي لشعوره بانعدام الفاعلية والقدرة على التأثير، ويمر بالضياع الاجتماعي بسبب سياسة التفرقة الممنهجة وغياب الثقة البينية بين المكونات، وصولا إلى الضياع القومي لأن القضية تتحول من حلم جماعي تشاركي إلى مجرد أداة تكتيكية في يد الحاكم المستبد؛ وبذلك يصبح الإنسان مجرد عابر غريب في شوارع فخمة لا تشبه روحه، ومستهلكا رغما عنه في مجمعات سياحية تدار بعائدات تحرم منها البنية التحتية الأساسية كالتعليم والصحة والحرية الفكرية، وحتى رواتب الموظفين.
إن التاريخ السياسي يؤكد أن الأنظمة التي تراهن على تحديث الحجر على حساب تنمية البشر، وتبني مجدها الفردي بالخوف والتفرقة، إنما تبني قلاعا من رمل فوق أرض تضطرب بالاحتقان، فالأبنية الشاهقة والأسماء العالمية البراقة لا تمنح الشرعية لحاكم، ولا تحمي كيانا إذا كان الإنسان الساكن فيها يعيش فراغا وجوديا وضياعا للهوية.
إن ترميم هذا الضياع يتطلب أولا فك الارتباط الذهني بين مفهوم التطور العمراني ومفهوم التحرر الإنساني، فالعمران الذي لا يحرر الإنسان قد يتحول إلى أداة للتدجين، أما الحرية والكرامة والقدرة على المشاركة فهي الأساس الذي تبنى عليه الأوطان والقضايا العادلة؛ فالأمم لا تنهض بما تشيده من حجر، بل بما تصنعه من إنسان.