أمجد عبد الكريم
ليست كل الأزمات الاقتصادية تُعلن عن نفسها بانهيار الأسواق أو ارتفاعات حادة في الأسعار. فبعضها يتسلل بهدوء إلى مفاصل الاقتصاد حتى يصبح جزءاً من المشهد اليومي. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ الركود الذي يرتدي قناع الاستقرار
في هذا النوع من الركود، تبدو المؤشرات العامة مطمئنة نسبياً؛ فلا توجد صدمة مالية كبيرة، ولا انهيار واضح في الإيرادات أو النشاط الاقتصادي. لكن خلف هذه الصورة، تتراجع حيوية السوق تدريجياً. تنخفض القدرة الشرائية الحقيقية للأفراد، وتتقلص هوامش أرباح المشاريع، فيما تتزايد كلفة المخاطرة على المستثمرين. ومع استمرار هذا المسار، لا يصبح نقص السيولة هو المشكلة الأساسية، بل تآكل الثقة بالمستقبل الاقتصادي، وهو العامل الذي يدفع الأفراد والشركات إلى تأجيل قرارات الإنفاق والاستثمار.
أول الضحايا لا يكون الاقتصاد الكلي، بل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والطبقة الوسطى التي تجد نفسها بين دخول شبه ثابتة وتكاليف معيشية متصاعدة. وتتراجع فرص العمل الجديدة، فيما تؤجل الشركات خطط التوسع والتوظيف، ليتحول الحذر الاقتصادي إلى سلوك جماعي يحدّ من فرص النمو.
في الاقتصادات الريعية، ومنها الاقتصاد العراقي، قد تبدو الإيرادات النفطية مستقرة أو مرتفعة، ما يمنح انطباعاً بوجود استقرار اقتصادي. إلا أن هذا الاستقرار قد يكون مضللاً عندما لا تنعكس الإيرادات على تنشيط القطاعات غير النفطية أو تعزيز القوة الشرائية للسوق. وهنا تتسع الفجوة بين أرقام الإيرادات وبين النشاط الاقتصادي الحقيقي.
تكمن خطورة هذا المسار في أن المؤشرات العامة قد لا تعكس التراجع الفعلي في ديناميكية الاقتصاد. فالأرقام تبدو مستقرة، بينما تتآكل القدرة على خلق فرص العمل وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي.
وأخطر ما في هذا النوع من الركود أنه لا يبدو أزمة بما يكفي لإطلاق الإنذار، ولا يبدو نمواً بما يكفي لصناعة المستقبل. لذلك يستمر في التمدد بصمت، مرتدياً قناع الاستقرار، فيما تتراجع قدرة الاقتصاد على التجدد عاماً بعد آخر