عن “الخطيئة” التي تسمى وطناً: لماذا يُستكثر على الكورد ما يُباح لغيرهم؟

ازاد صالح نادراغا
استاذ جامعي – اختصاص ادارة الاعمال

في أدبيات السياسة المعاصرة، يُحتفى بحق تقرير المصير كقيمة إنسانية عليا، وتُقام الدنيا ولا تقعد من أجل تجسيد الهوية الوطنية للشعوب في كيانات سياسية مستقلة. نرى العالم يدعم قيام دولة للفلسطينيين (وهو حق مشروع)، ونرى للعرب اثنتين وعشرين دولة، وللترك والفرس دولاً وقوميات محمية بسيادة كاملة. ولكن، حين يصل الحديث إلى أمة الكورد، التي يتجاوز تعدادها الأربعين مليوناً والمقسمة جغرافياً وقسرياً، تتحول “القومية” إلى “تهمة”، ويصبح الطموح بالاستقلال “مؤامرة”، ويُرفع سيف “وحدة الأراضي” في وجه كل من يطالب بالعدالة.
وحدة الأرواح قبل وحدة الخرائط
يتحدثون في المحافل الدولية عن “وحدة العراق”، ولكن أي عراق يقصدون؟ هل هو العراق الذي لم يعرف الكوردي فيه سوى دخان الكيمياوي في حلبجة؟ أم عراق عمليات “الأنفال” السيئة الصيت التي غيبت الآلاف في رمال الصحاري؟ إن الوحدة لا تُفرض بقوة السلاح ولا تُبنى على الجماجم، بل تُبنى على الشراكة والعدالة والكرامة، وهي قيم غابت عن “العراق القديم” ولم يجد لها الكورد أثراً ملموساً في “العراق الجديد”.
المواطنة “من الدرجة الأخيرة”
إن ما يسمى بالعراق الجديد، الذي استبشر فيه الكورد خيراً، ما زال يمارس ذات العقلية الإقصائية بأساليب مختلفة. فبدلاً من الطائرات، تُستخدم اليوم “الموازنة” و”الرواتب” كسلاح للتجويع والتركيع. وبدلاً من التهجير القسري المباشر، تُسن القوانين والضغوطات لمحاصرة التاجر الكوردي، والتضييق على الفلاح في المناطق المستقطعة، واحتلال الأراضي بذرائع قانونية واهية.
السؤال المرّ الذي يطرحه كل كوردي اليوم: كيف يمكننا الانتماء لوطن لا يرانا إلا مواطنين من “الدرجة الأخيرة”؟ وطن يرى في قوت أطفالنا ورقة ضغط سياسية، وفي استقرارنا الأمني خطراً يهدد “مركزية” السلطة التي لا تُجيد سوى تصدير الفشل.
الازدواجية في الميزان الدولي
من الغريب أن يُعتبر انتماء الإنسان لأمته وشعبه “كفراً” أو “عيباً” إذا كان كوردياً، بينما هو “فخر ونضال” إذا كان لغيره. لماذا يُحرم أربعون مليون إنسان من حقهم الطبيعي في أن يكون لهم بيت سياسي يجمع شتاتهم ويحمي هويتهم؟ إن الإصرار على بقاء الخرائط كما رسمها “سايكس وبيكو” قبل قرن من الزمان، رغم كل ما جرى من دماء ودموع، هو إنكار صارخ للواقع ولحقوق الإنسان.
خاتمة: الاستحقاق لا الاستجداء
إن الانتماء للوطن القومي الكوردي ليس جريمة، والمطالبة بالحقوق ليست منّة من أحد. إن التاريخ يُعلمنا أن الدول التي لا تحترم مكوناتها وتسومهم سوء العذاب والتهميش، لا يمكنها أن تظل موحدة بالقوة إلى الأبد. إن الكورد اليوم لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون أبسط حقوق الكرامة البشرية: أن يعيشوا أحراراً على أرضهم، بعيداً عن سياسات التجويع، والتمييز، والتهديد المستمر بهوية وطنية لم تجلب لهم سوى الويلات.
إن “وحدة العراق” الحقيقية تبدأ من رد الحقوق لأصحابها، والاعتراف بالهوية الكوردية كشريك كامل لا تابع مهمش، وإلا فإن الخرائط التي لا تحمي شعوبها، هي خرائط مرسومة على الرمال.

قد يعجبك ايضا