نبيل عبد الأمير الربيعي
بسبب الدهشة مما خلقت التساؤل، وبسبب الحاجة مما دفعت البشرية إلى البحث عن الحلول، وبسبب الخوف كان طلب البشرية الحماية ضمن حاجاتهم. فالاندهاش من مشاهدة ظاهرة ما، شد البشر إلى محاولة اكتشاف كنه الشيء أو الظاهرة، مما جعلهُ يتوق إلى المعرفة، فكان إن اهتدى إلى المعارف المعهودة. وحين عجز الإنسان عن الإجابة على تساؤله، وقد تنوعت تساؤلاته وتعقدت حاجاته، وقف يتأمل ما يرى بإمعان وعجز عن تفسير مشاهداته عندها رمى ما يحصل على قوى خارقة خارجة عن مداركه وتقديراته، فكانت بذور التفكير بالقوى اللامرئية الغيبية، فبدأ التفكير الديني الذي تنوع واختلف بتنوع البيئات وتنوع طبائع ومصالح وعقول البشر، وكانت هذه بمثابة أولى محاولات الإنسان للإجابة على تساؤلاته، فصار كل ما يتعنى عليه فهمه يرميه على عائق القوى غير المنظورة (الميتافيزيقية).
وقد عرفت الفلسفة بأنها محاولة جادة في معرفة الحقيقة أو التحري عنها. حقيقة ماذا؟ حقيقة الظواهر الطبيعية، وحقيقة حركة الأشياء التي من حولنا وخارج مداركنا والبحث عن ماهية الإنيان وعن مصيره. والواقع إن الوصول إلى الحقيقة هو بحد ذاته علم، وإن العلوم هي مجموعة حقائق وقوانين، ولذلك قيل أن الفلسفة هي محاولة الوصول إلى الحقيقة (إلى العلم)، وليست الحقيقة ذاتها، أي أن الفلسفة كانت الممهدة لظهور العلم، بل أنها وصفت كونها العلم الجامع أو علم العلوم.
لهذا فمن احشاء الفلسفة ولدت العلوم. فماذا صارت القضايا المختلف حولها حقيقة ثابتة، خرجت من نطاق الفلسفة ودخلت في نطاق العلم، وبهذه الطريقة انفصلت العلوم عن الفلسفة ورغم هذا الانفصال ظلت العلوم والفلسفة تربطهما وشائج عديدة.
فمن الضروري ابعاد نظرة التبخيس بحق التاريخ بسبب طغيان العلوم الطبيعية والنظرة الاستعلائية والنفعية إلى المعرفة التاريخية، مما مهد لإلغاء تدريس ودراسة التاريخ، والسبب الرئيسي لما كان يثيره التاريخ من منازعات، ولما فيه من تفخيم الذات، ومن اكاذيب وترهات. وشملت هذه النظرة الدونية إليه بعض مفكري عصر التنوير في فرنسا وفي دول أوربية أخرى.
لذلك نجد هيرودوت ليس أبا التاريخ لأن ما دونهُ يراعه ليس أكثر من انطباعات سائح لما شاهده، على ضوء عقلية عصره في البلدان والأقاليم التي زارها. أما ما فعله توكيديديس (466-395 ق.م) فكان شيئاً كبيراً، إذ كان أول من حاول أن يكتب التاريخ بحيادية وموضوعية تخلب الألباب، حتى إذا ما اثارت هذه النزاهة حفيظة حكام زمانه المهزومين في معركة (بيلو بونيز) الشهيرة بين اسبرطة وأثينا، فتعرض للنفي لأنه تساءل أين النصر الذي تعلنه قيادتنا؟ وهذا اشبه بما خرجت علينا به صحيفة بابل التي كان يملكها عدي صدام حسين في مانشيت كبير غداة هزيمة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية في الكويت، (انتصرنا)، وكان النصر هو في بقاء الحاكم على دست الحكم.
لقد آثر توكيديديس أن يكون صادقاً على أن يكون مغالطاً، حتى صار معلماً بارزاً يشار إليه بالبنان كلما استطاع مؤرخ أن يتحر من عواطفه وانحيازاته، ويدرس التاريخ بأمانة. ومن خلال قوله: (أرى وكأن التاريخ يعيد نفسه). وصارت هذه العبارة ايقونة المعنيين بعلم التاريخ. وقد اطلق هذه العبارة بعد أن قرأ بإمعان مجموعة وثائق تاريخ بلاده الأغريق ودرسها وخرج بنتيجة مفادها العبارة التي اطلقها قبل نحو ألفين ونصف الألف من السنين. الكلمة السحرية التي باتت السؤال الكبير الذي يثيره التاريخ ويناقشها المؤرخون من مختلف العصور في أوربا أو خارجها. ربما كانت كلمات توكيديديس بداية ظهور ما صرنا نسميه تفسير التاريخ أو فلسفة التاريخ، وهذا هو الأمر الخاص بايجاد نظرة شمولية، وهكذا تكون عبقرية هذا الرجل ونزاهته اوصلت الفكر الإنساني إلى اكتشاف المنهجية في التاريخ، ومن ثم تفسير احداثه. فتوالت التنظيرات المتباينة عما يمكن أن تقدمه فلسفة التاريخ إلى كل من التاريخ من جهة وإلى الفلسفة من جهة أخرى من فوائد.
وفلسفة التاريخ لها فوائدها، وقد حصرها الدكتور محسن محمد حسين في أربعة():
1- فلسفة التاريخ ترمي إلى ردم الهوة ومعالجة القصور في مباحث التاريخ، لأن التاريخ يسرف في الأغراق في وصف احداث الماضي بعيداً عن الارتباط بالحاضر والتطلع إلى المستقبل. فتبدأ الفلسفة كما اعلن الفيلسوف الايطالي (بنديتو كروتشه) من مشكلة قائمة في الحاضر وتربط الإنسان بحاضره ولا تتركه يغوص في الماضي غوصاً ويجعله غريباً في حاضره أو بعيداً عن تحقيق طموحاته في المستقبل، وبذلك تعمل فلسفة التاريخ على تحويل هذه الأحداث إلى نسيج مترابط له معناه في تفسير سلوك الإنسان على مدى مسار التاريخ دون الدخول في تفصيلات عقيمة.
2- كما أن فلسفة التاريخ تعوض نقصاً في الفلسفة يتمثل في القلق الدائم الذي يعاني منه رجال الفلسفة، هذا القلق الذي تسببه رغبة الفلاسفة في الوصول إلى الحقيقة. فالفيلسوف دائم البحث عن الحقيقة، لكنه يخشى أن يضل الطريق إليها وهو محلق في عالم المجردات، لأن الحقيقة في الفلسفة مجردة، على غرار الحق والشر والخير والجمال والقبح والسعادة… الخ. ولأنها تفلت دائماً من الإنسان، فلا يستطيع الامساك بها، ومن ثم فإن فيلسوف التاريخ يلتمس العون من (واقعية التاريخ).
3- العلاقة بين الفلسفة والتاريخ، علاقة شد وجذب، إذ أن يشد الفلسفة حتى لا تحلق بعيداً في غير عالمنا الذي يعيش واقعه، والفلسفة ترتفع بالتاريخ حتى لا يغوص في الماضي بإسراف. كما أن التاريخ يلتمس من الفلسفة الحكمة والمغزى بينما الفلسفة تلتمس من التاريخ الواقعية. وهكذا نجد أن كلا من الفلسفة والتاريخ يكمل ما في الآخر من قصور.
4- تلبي فلسفة التاريخ للإنسان حاجة عملية بمنحه الاحساس بالطمأنينة قدر المستطاع، فكلما انتاب الإنسان جزع على مصيره لجأ إلى الماضي يستوحيه، ليقوي من عزيمته، وعلى هذا يمكن لنا أن نلاحظ أن عصور الكوارث والويلات تبعث إلى التفكير في الماضي وفي المصير، وتثير الإنسان وتستفزه للبحث عن العلاج، وثمة اسئلة تثيرها تلك العصور المذكورة ويجيب عنها رجالاتها:
ا- فقد حاول القديس اوغسطين (354-435م) أن يفسر التاريخ في كتابه (مدينة الله)، وهو يراقب تداعي العالم القديم بسقوط روما، فوضع نظريته المعروفة في العناية الإلهية.
ب- وتعرضت الدول الإسلامية إلى الغزو الصليبي والمغولي، فألهم ذلك ابن خلدون إلى وضع نظريته في تفسير التاريخ وفي علم الاجتماع، ضمّنها كتابه الشهير (المقدمة).
ت- وحينما وطأت اقدام جيش امبراطور فرنسا نابليون بونابرت الأراضي الألمانية – بروسيا يومئذ – أمام انظار الفيلسوف الألماني الكبير هيجل اطلق عبارته الشهيرة: هذا اليوم يبدأ تاريخ جديد لبروسيا، لأن بومة مينرفا لا تحلق إلا عند الغسق. في اشارة واضحة إلى مينرفا رمز الحكمة. وتعني العبارة أن اعظم الأعمال واحكم الأقوال لا يظهر إلا في احلك الأيام، وهكذا كان احتلال بونابرت لبروسيا، مبعثاً لوضع نظريته في فلسفة التاريخ.
ث- ثم ظهر تنظير حول التفسير المادي للتاريخ الذي توصل إليه كارل ماركس (1818-1883م) في خضم الصراع الطبقي الذي شهدته أوربا الغربية، ولا سيما بعد الثورات التي بزغت في هذه القارة سنة 1848م.
ج- ونعى اوزوالد شبلنجر (1880-1936م) قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية حضارة أوربا في استشراف مصيرها فكان كتابه المدوي (تدهور حضارة الغرب).
ح- كما جزع آرنولد توينبي (1889-1975م) للحضارة الغربية نفسها قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، فوضع سفره العظيم (دراسة في التاريخ)، فكانت نظريته المعروفة في التحدي والاستجابة.
أما الفوائد التي يجنيها الباحث في التاريخ من تفاسير التاريخ نوجزها بما يلي:
1- التفكير في علل المحت واسباب الهزائم.
2- القلق والتفكير في مشاكل المستقبل.
فالتاريخ في سيرورت واحكامه يستبعد المستقبل من اهتماماته لأن مباحثه تنحصر بالماضي الذي ينتهي عند أول اللحظة الراهنة، بينما يرتبط المستقبل بالماضي عن طريق الحاضر ارتباطاً عضوياً عن طريق فلسفة التاريخ، ولا يمكن للتاريخ أن يصل إلى مرتبة الوعي الفلسفي دون وعي بالمستقبل أو ما يسمى (الاستشراق).
3- تكوين نظرة شمولية إلى التاريخ البشري: يرى فلاسفة التاريخ أن معالجة الاحداث التاريخية بصورة مجزأة، أي البحث في تاريخ كل مجتمع أو حضارة على حدة، كما هو الحال بالنسبة للدراسات التاريخية المعهودة لا يساعد المفكر على تكوين نظرة شمولية جامعة، لذا بات من الضروري أن يكون تاريخ الإنسانية تاريخاً له صفة الشمول لما فيه من تنوع، ولن يكون ذلك ممكناً إلا بفلسفة التاريخ التي تتميز بترابط نسيجهما. وإنه كلما كان التاريخ العالمي أكثر شمولاً كان فهمنا للحاضر اشد وضوحاً وفهماً، ففلسفة التاريخ لا تقف عند عصر معين، ولا تكتفي بمجتمع معين.
4- فلسفة التاريخ منهجاً ومصدراً لدراسة التاريخ.
بعد أن كانت موارد التاريخ مصدراً لدراسته، ومن ثم لدراسة فلسفة التاريخ، كذلك صار بوسع فلسفته حسب بعض التنظيرات الحديثة أن يساعد التاريخ لمعرفة جوانب من طبيعة المراحل التي مر بها الجنس البشري، تلك المراحل التي لم تعد نعرف عنها شيئاً إلا القليل من المعلومات، فصارت فلسفة التاريخ تعمل لإعادة تركيب تاريخ عصور تاريخية مجهولة، هذا حسب ما يقوله شبلنجر، كذلك حسب ما يشير إليه ماركس في كتاباته المعروفة في الصراع الطبقي.