محمد علي محيي الدين
في مدينة الحلة، حيث تنام الحروف على ضفاف الفرات وتصحو المعاني من أعماق التاريخ، وُلد حميد حسون بجيه عام 1955، صبيًّا ينظر إلى العالم بعينين فيهما فضول لا يُكبح، وروحٍ تفتّش في اللغة عن أكثر من معنى. كأن الحلة ذاتها قد همست في أذنه منذ الصغر: (ابحث في الكلمات عن الوطن، وفي الترجمة عن الحقيقة، وفي التعليم عن الأثر).
اجتاز مراحله الدراسية الثلاث في مسقط رأسه، ثم مضى بخطى ثابتة إلى كلية الآداب – قسم اللغة الإنجليزية في جامعة بغداد، وتخرّج عام 1976، ليتحوّل منذ تلك اللحظة إلى معلمٍ وكاتبٍ ومترجمٍ وباحثٍ، متعدّد الوجوه والمواهب، لا يعرف التوقّف عن السؤال، ولا الكسل أمام ورقة.
شدّ الرحال إلى المملكة المتحدة، إلى جامعة ووريك، فكان له من هناك شهادة الماجستير، قبل أن ينال الدكتوراه من الجامعة المستنصرية في قسم الترجمة عام 2003، ويُمنح لقب الأستاذية في جامعة بابل عام 2010، عن استحقاق لا يُجامل، وتاريخ لا يُمحى.

لكنّ رحلته لم تكن محض شهادات أكاديمية، بل مسيرة عطاء معرفي قلّ نظيرها، جمعت بين عمق الترجمة، ونباهة اللغة، ورؤية تربوية متينة، كأنّه حمل على كتفيه همّ الجسر بين الضفتين: ضفة التراث وضفة المعاصرة، ضفة العربية وضفة الإنجليزية، ضفة التأمل وضفة التعليم.
ما بين الترجمة والتعليم والكتابة: موسوعة تمشي على قدمين
توزعت أعماله على عشرات الكتب، تنوّعت بين الترجمة والتأليف، فكان كتابه (الرواية الإنكليزية: نشأتها وتطورها) من أوائل جهوده في تعريف القارئ العربي بمسارات الأدب الغربي، تلته كتب ودراسات أخرى مثل: (الأسلوبية)، (المسرح: تطوره وطبيعته)، و(في الترجمة من الإنجليزية إلى العربية)، وهو كتاب منهجي لا يزال يُدرّس في جامعة بابل وغيرها.
كتب في الإعجاز القرآني، وفي القضايا المعرفية، وفي مقالات متنوعة كـ (ما قلّ ودلّ)، و(صفحات نيّرة)، و(إضاءات نافعة)، فضلًا عن قواميس علمية متخصصة منها: المعجم الألسني، والمفيد في مصطلحات الترجمة، والمفيد في مصطلحات الهندسة المدنية.
أما في الإشراف الأكاديمي، فقد كان مشعلًا هادئًا مضيئًا، إذ أشرف على أكثر من 27 رسالة وأطروحة، وناقش ما يزيد على 40 منها، وقوّم لغويًا عددًا كبيرًا من الأبحاث، وظلّ حاضرًا في المؤتمرات العلمية والأدبية، مشاركًا ومحكّمًا وباحثًا.
آراء النقّاد فيه: حضورٌ أكاديميٌّ لا يُشبه أحدًا
كتب الباحث عبد الرضا عوض في مقالة عن حميد بجيه: (هذا رجلٌ لا يكتب ليُقال إنه كتب، بل ليترك أثرًا في القارئ، وفي الباحث، وفي اللغة. ترجماته دقيقة، وأسلوبه مرن، وقاموسه اللغوي ثريّ دون تكلف. هو من القلائل الذين يمشون بيننا وقد حملوا على عاتقهم مشروعًا ثقافيًا مكتملًا).
أما الكاتب نبيل الربيعي، فقد أشار في إحدى قراءاته لأعماله إلى أن: (الدكتور حميد بجيه، ليس مترجمًا وحسب، بل هو مُفسّر حضاري، يشتبك مع النص كما لو كان يستنطقه، ويفكّ شفراته بأناة الباحث وذائقة الأديب).
وكتب عنه الناقد شاكر نوري: (ترجمة بجيه ليست نقلاً ميكانيكيًا، بل إعادة خلق معرفي للنص، تشعر معه أن اللغة الثانية ولدت من رحم الأولى لا من قاموسٍ جامد).
صوتٌ لا يعلو، لكنه لا يخفت
لم يكن حميد حسون بجيه صوتًا صاخبًا في المشهد الثقافي، لكنه كان دائمًا حاسمًا في حضوره، شجاعًا في خياره، نزيهًا في عطائه. لم يُراهن على الشهرة، بل على البقاء. بقي معلّمًا وهو في قمة إنجازه، وبقي بسيطًا رغم تراكُم معرفته. هو مثال لكتّاب الظل الذين يصنعون في صمت، دون ضجيج ولا انتظار، وكأنّهم يوقنون أن الكلمة الصادقة تصل، حتى وإن جاءت بلا ضوضاء.
نوافذ على الأفق المفتوح
إن تجربة الدكتور حميد حسون بجيه ليست محصورة في عدد مؤلفاته، ولا في قائمة بحوثه، بل في طريقة تعامله مع المعرفة: بتواضعٍ العارف، وبجِدّية المعماري، وبحنان المعلّم الذي لا يكلّ من منح الضوء. هو الرجل الذي فتح نوافذ كثيرة على آفاق المعرفة، ثم انسحب قليلًا، ليترك للقارئ متعة التأمل، وواجب الاكتشاف.