قارىء العبور

إبراهيم خليل إبراهيم

قبيل فجر يوم السبت 10 رمضان 1393 هجريا الموافق 6 أكتوبر عام 1973 حمل الشيخ محمد أحمد شبيب مصحفه ليستعيد ما يحفظ من كتاب الله تبارك وتعالى من آيات مباركات من سورة آل عمران وأخذ يقرأ ويراجع وكأنه يحفظ القرآن لأول مرة فيعيد ويكرر وما إن انتهى من المراجعة والتلاوة حتى وقف أمام ملابسه حائرا ليجهز جلبابه وعمته الأزهرية الشهيرة ليكون في أبهى صورة عبر أثير إذاعة القرآن الكريم على الهواء مباشرة.

توجه الشيخ محمد أحمد شبيب إلى المسجد قبل الفجر بوقتٍ كافٍ وعندما حان وقت التلاوة تلا من سورة آل عمران بداية من الآية 154 إلى جانب بعض الآيات من قصار السور وبلغت مدة التلاوة ٥٧ دقيقة.

بعد الساعة الثانية بدقائق ظهر يوم السبت ٦ أكتوبر ١٩٧٣ العاشر من رمضان ١٣٩٣ هجريا فوجىء العالم بعبور القوات المسلحة المصرية قناة السويس واقتحام خط بارليف لتحرير سيناء الحبيبة التي احتلتها إسرائيل عام ١٩٦٧ م وأطلق على فضيلة الشيخ محمد أحمد شبيب قارىء العبور والنصر

كان من المقرر أن يسافر القارىء الشيخ محمد أحمد شبيب إلى سوريا في النصف الآخر من شهر رمضان عام 1393 هجريا لإحياء ليالي شهر رمضان بين الأشقاء بسوريا ولكن ظروف قيام الحرب جعلت المسئولين يكلفونه مع زملائه من الموجودين بمصر من المشاهير بأن يتناوبوا التلاوة بسرادق عابدين والمساجد الكبرى بالقاهرة طوال شهر رمضان وحيث يلجأ الناس إلى بيوت الله للإطمئنان واللجوء إلى الله راجينه تحقيق النصر للأمة الإسلامية في حرب إعادة الثقة والعزة والكرامة للمسلمين وكل الأمة العربية.

فضيلة الشيخ محمد أحمد شبيب من مواليد ٢٥ أغسطس عام ١٩٣٤ في قرية دنديط مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية وكان والده من المهتمين بسماع مشاهير قراء القرآن الكريم من خلال الإذاعة المصرية التي بدأ إرسالها يوم 31 مايو عام 1934 وكان يطلق على ابنه لقب الشيخ قبل أن يحفظ كتاب الله لذا حرص على تعليم ابنه محمد فألحقه بكتاب الشيخ توفيق إبراهيم الكائن في قرية دنديط وبعد وفاة الشيخ توفيق انتقل الطفل محمد أحمد شبيب الذي أتم حفظ 17 جزءا من القرآن إلى كتاب الشيخ محمد إسماعيل بنفس القرية واتم حفظ القرآن الكريم في كتاب القرية وفي عام ١٩٥١ التحق محمد بمعهد الزقازيق الديني في محافظة الشرقية واشتهر بتلاوة القرآن بصوت عذب فطلب منه شيخ المعهد أن يفتتح اليوم الدراسي بالقرآن بالإضافة إلى المشاركة في جميع الاحتفالات التي تقام بالشرقية عن طريق الأزهر الشريف ليصبح الطالب محمد أحمد شبيب محل ثقة كل الناس وعرف بمنطقة الشرقية الأزهرية .

أثناء دراسة الشيخ محمد أحمد شبيب في المعهد الديني وجّهت له الدعوات لإحياء المأتم وسبب هذا أن والده أحضر له زيًا يتناسب معه كقارىء أولاً ثم ليذهب به إلى المعهد وبرغم صفر سنه ولكن الزّيّ أعطاه هيبة ووقاراً بالإضافة إلى حسن التلاوة والتجويد مما جعل أهل قريته والقرى المجاورة يوجّهون إليه الدعوات بمفرده لإحياء المناسبات.

الشيخ محمد أحمد شبيب بدأ التلاوة في المآتم والحفلات الدينية الكبرى وخاصة في الموالد التي كانت تقام للأولياء القريبين من بلدته وخاصة مولد الشيخ جوده أبو عيسى بمنيا القمح بالشرقية والذي كان يتوافد عليه الآلاف وذات مرة كان الشيخ محمود علي البنا مدعواً في أحد السرادقات المقامة بساحة الاحتفالات بمولد الشيخ جوده في حضور الآلاف من المحبّين من كل محافظات مصر وكان السرادق المدعو إليه الشيخ محمود علي البنا خاصاً بعائلات الأباظية وكان بالسرادق ما لا يقل عن خمسة آلاف من المواطنين الذين جاءوا للإحتفال بالمولد ولسماع الشيخ محمود علي البنا وكان يتقدمهم اللواء وجيه أباظه وفي ذلك الوقت كان متواجدا بالزي الأزهري الشيخ محمد أحمد شبيب بالسرادق للإستماع إلى الشيخ محمود علي البنا وفوجئ بعامل الفراشة يحضر ويهمس في أذنه قائلاً :
ممكن تنقذ الموقف وتخرجنا من هذا المأزق لأن الشيخ محمود علي البنا اعتذر الآن ووضعنا في حرج شديد مع الناس؟
فقال له: ممكن.. ثم توجه بالدعاء لله أن يثبّته ويوفّقه لمواجهة الجمهور ثم صعد وجلس استعداداً للقراءة ففوجئ بأن الحاضرين يجلسون كل اثنين على كرسي واحد من كثرة الناس وبدأ الشيخ محمد التلاوة بثقة ووفّقه الله ولأنه في مقتبل العمر أدّى بقوة مع التزامه الشديد بأحكام التلاوة وواصل التلاوة لأكثر من 90 دقيقة وقبل انتهاء التلاوة صعد الحاج فؤاد شرف الدين وأعطى الشيخ محمد عشرة جنيهات وقال له: وجيه بك قال أستمر في القراءة.. وفي نفس المكان وذات المناسبة كان الشيخ مصطفى إسماعيل أحد القراء المشاهير المواظبين والمهتمين بحضور الاحتفال بمولد الشيخ جوده كل عام دون انقطاع ولا اعتذار وكان آلاف المحبّين من عشّاق تلاوة الشيخ مصطفى يتوافدون من كل مكان للاستمتاع بصوته وتلاوته.

وفي أحد الإحتفالات ذهب الشيخ محمد أحمد شبيب إلى السرادق الخاص بالشيخ مصطفى إسماعيل وبعد انتهاء الشيخ مصطفى من التلاوة انفض الناس ولم يتبق في السرادق إلا عدد قليل وصعد الشيخ محمد ليقرأ ما تيسر من القرآن وإذا بالسرادق يمتلىء مع مرور الوقت حتى وصل عدد الحاضرين إلى نفس العدد الذي كان يستمع إلى الشيخ مصطفى إسماعيل وكانت هذه الليلة بمثابة الميلاد الحقيقي لشهرة الشيخ محمد أحمد شبيب .

أيضا دعي الشيخ محمد أحمد شبيب لإحياء مأتم بقرية ميت ناجي مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية في بداية الخمسينيات وحصل على 35 قرشاً وكانت الدعوة من أحد المشايخ الكبار المعاصرين لجيل الشيخ محمد رفعت وهو الشيخ أمين عامر وبعد انتهاء السهرة هنّأه وأثنى على آداءه ووجّه له الدعوة لشهر رمضان كاملاً بمنزله الذي كان يتوافد عليه المئات لسماع القرآن واتّفق معه على خمسة جنيهات مقابل السهرة طوال الشهر وكان الشيخ محمد سعيداً جداً ليس بما حصل عليه من مال وإنما لأنه أصبح أحد القراء المعروفين بالمنطقة ومن هنا عرف كقارىء وصيت فانهالت عليه الدعوات وارتفع ما يحصل عليه في السهرة إلى جنيه .

عام 1957 دعى الشيخ محمد أحمد شبيب لقراءة القرآن في عزاء محمد بك الجمل بمدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية مع الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي وكان العزاء يضم نخبة كبيرة من كبار رجال الدولة والآلاف القادمين لآداء واجب العزاء وبعد أن قرأ الشيخ محمد هنأه الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي على حسن الآداء وبشره بمستقبل عظيم وبعد انتهاء مأتم محمد بك الجمل عاد الشيخ محمد أحمد شبيب ليستكمل الليلة الرمضانية ببيت الأمة فسمع بعض الحاضرين يقولون : كان فيه قارىء صغير السن مع الشيخ الشعشاعي الليلة بمأتم الأستاذ الجمل ولكن كان صوته جميلاً وأذهل الحاضرين بأدائه فتبسم الشيخ محمد وقال لهم أحد الحاضرين : إنه هو الشيخ الجالس أمامكم الآن فتعجبوا وأثنوا على أداء الشيخ محمد أحمد شبيب وفي الليلة التالية ازداد عدد الحاضرين

امتدت شهرة الشيخ محمد أحمد شبيب إلى البلاد المجاورة وفي عام ١٩٦١ أصيب الشيخ بالتهاب في الحنجرة كاد يمنعه عن القراءة ولكن عناية الله أنقذته على يد الدكتور علي المفتي الذي أزال حبة كانت السبب في الالتهاب بالحنجرة.

الشيخ محمد أحمد شبيب وصلته دعوة من عائلة حموده بمحافظة الشرقية لإحياء مأتم عميد العائلة وحضر العزاء حفيده علي حموده الذي كان يعمل بالإذاعة فاستحسن أداء وصوت وطريقة تلاوة الشيخ محمد وقال له : يجب أن تكون أحد قراء الإذاعة وأشار عليّه بالتقدم للإذاعة حتى يتم اختباره ولكن الشيخ محمد لم يكن مستعداً نفسياً فلم يتقدم بطلب ولكن فوجئ بخطاب من الإذاعة بتحديد موعد الاختبار فذهب إلى علي حموده ليؤجل اختباره ستة أشهر وبعدها دخل لجنة الاختبار وتم قبوله واعتمد قارئاً بالإذاعة عام 1964م .

سافر الشيخ محمد أحمد شبيب إلى دول كثيرة منها قطر عام ١٩٨٢ وأبو ظبي عام ١٩٨٦ والجابون عام ١٩٨٧ م وفي عام 1994 قررت وزارة الأوقاف إيفاد الشيخ محمد أحمد شبيب إلى إيطاليا ولكنه اعتذر وقبل حلول شهر رمضان بيوم واحد أخبره وكيل وزارة الأوقاف بأن هناك دعوة باسمه من قبل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لإحياء ليالي شهر رمضان بالمسجد الأقصى بالقدس فلم يتردد وكانت سعادته لا توصف عندما تلا قرآن الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك بالمسجد الأقصى بين ما يقرب من نصف مليون فلسطيني وعربي يتقدمهم الرئيس ياسر عرفات الذي قام بتكريم فضيلة الشيخ محمد أحمد شبيب ومنحه شهادة تقدير ونيشان السلطة الفلسطينية .

رزق الشيخ محمد أحمد شبيب من الأبناء بـ أحمد وكان يعمل ضابط حركة بمطار القاهرة الدولي ويحتفظ بمجموعة من الأشرطة التي تضم تراث والده وإسماعيل محمد أحمد شبيب حاصل على بكالوريوس التجارة جامعة الزقازيق وأمل وهى متزوجة من المحامي محمد نجيب نافع وأزهار محمد أحمد شبيب وهى متزوجة من المهندس حسام عبد الحميد الضابط بالقوات المسلحة.

توفى فضيلة الشيخ محمد أحمد شبيب فجر يوم ٣ أبريل عام ٢٠١٢ وشيعت جثمانه في جنازة مهيبة حضرها أهالى قرية دنديط والقرى والمحافظات المجاورة فرحمة الله على روحه.

قد يعجبك ايضا