الفن المرآة التي تعكس ذات الإنسان

هه لكورد صالح علي

تعد الفنون واجهة حضارية لأي مجتمع من المجتمعات، فعن طريقها يقاس مستوى تقدمه وازدهاره، وكما يحتاج الفرد منطقياً إلى متطلبات الحياة الضرورية فانه يحتاج نفسياً إلى الإشباع الوجداني وتعود الإحساس بالجمال ولا يخفى إن القدرة على التذوق الجمالي وعلى الإبداع الفني كامنة في كل شخص وقابلة للنمو بالتدريب والتهذيب.

فقد شغل موضوع الإنسان والفن حيزا واسعا في تفكير المهتمين في مجال الفن كون الفن ضرورة ملحة من ضرورات النفس البشرية في حوارها الشاق مع الكون لذا أصبح الفن المرآة التي تعكس ذات الإنسان في كل زمان ومكان لما يشكله من خطاب إبداعي في مجال المعرفة الإنسانية، إذ لازم الإنسان كفرد أو جماعة منذ بدء الخليقة فالفن والإنسان لا ينفصلان إذ لا فن بلا إنسان مثلما لا إنسان بلا فن.

لذا تعددت جوانب نشاطه الفني والتعبيري وأصبح النشاط الفني ظاهرة يواجه بها احتياجاته الشخصية والاجتماعية والروحية وأصبح الفن تعبيراً عن الإنسان وأماله وحبه وكراهيته كون الفن نشاط بشري أصيل يعبر من خلاله الإنسان عن نفسه وبذلك سعى الإنسان لمعرفة ما كان وما هو كائن
وما قد يكون واستكشاف كيف كان على مر العصور.

والفنان العراقي بوصفه حاملاً لارث حضاري كبير لا تزال فنونه معيناً ثراً للقاصي والداني، لم يجد بعد طول ابتعاد عن ركب الحضارة، الا ان ينهض مسرعاً لبلوغ مطلعها الذي كان ميدانه الغرب، فأخذ ينهل (حيناً) من معطيات الفنان الغربي وتجاربه الحداثوية التي تعبر عن فلسفة ورؤية بعيدة عنه، ويؤسس عليها بوعي تجربته التي تنطلق من واقعه وموروثه في قالب معاصر (حيناً آخر).

وكان من اهم تلك التجارب التي استهوت الفنان العراقي وطغت سطحه التصويري، هي تلك التي تستلهم البنية التصميمية او الفكرة او التقنية او الجميع من خلال توظيف الشكل التصميمي في وحدة جمالية خالصة، ليحقق من خلال هذه التجارب ظاهرة فنية واسعة، متفردة المعالم لمفاهيم أسلوبه عبر نتاجا طويلا من الأعمال الفنية، حيث تميزت تكويناته بإيجاد صلات حميمة مع ذلك الإرث الطويل للتاريخ العربي والفنون الإسلامية محققا بذلك قيما جمالية بعمق التداخل بين فن الرسم والتصميم والكرافيك مما اكسب أعماله نوعاً من حرية التعبير وذاتية التأويل.

ولقد احتل موضوع الجمال أهمية متميزة في تاريخ الفكر الإنساني منذ القدم وكان لذلك العديد من النظريات الجمالية والفلسفية حتى وقتنا الحاضر إذ أسهم الفلاسفة والمفكرون في توضيح ماهية الجمال والجميل وتعدى ذلك في تفسيرهم لطبيعة الجمال فخلص بعضهم الى أنْ يرى الجمال موجود في الطبيعة الحية وغير الحية (الجامدة) والبعض الأخر أكد على أن الجمال مرتبط بالإنسان بوصفه صفة ذاتية كامنة في طبيعة الإنسان نفسه عندما يتفاعل مع الطبيعة أو يتعامل مع العمل الفني مما يؤدي إلى استثارة النزعة الجمالية الكامنة في نفسه.. إلى جانب ذلك ذهب فريق ثالث إلى أَنّ الجمال يحصل نتيجة العلاقة بين الإنسان نفسه وما يحيط به من عوامل بيئية.

لقد ظل الإحساس بالجمال صفة من الصفات العامة التي يمتاز بها البشر فهي هبة الله (عز وجل) إلى الإنسان كونه الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على الإحساس بالجمال وتذوقه كونه القيمة المطلقة العليا وينشأ في نفوسنا في كل لحظة وذلك من خلال رؤيتنا لأشياء كثيرة في واقع الحياة وأنشطة الإنسان اليومية كتأمل الطبيعة ونرى إنّ الإحساس بالجمال وتذوقه لا يتوقف عند حدود عالم المادة بل يتعداه إلى عالم الفكر والفن وهو صدد دراستنا هذه ومن هنا كان الجمال وعملية تذوقه والحكم عليه خاضعاً إلى آراء مختلفة.

مما حدا بالجماليين أَن يختلفوا في إعطاء مفهوم محدد للجمال فمنهم من وجده في عالم الفن ومنهم من وجده في الطبيعة وآخرون وجدوه مجسداً في عالم المثل وهذا الاختلاف والتباين حيال موضوع الجمال على إرجاعه إلى أمرين مختلفين، الأول عدم وجود معيار ثابت ودقيق علمي للجمال يستطيع هذا المعيار أنْ يربط جميع الأذواق معاً. أما الأمر الثاني اختلاف المدركات العقلية والخيال لدى الأفراد فقد يستوعب المتذوق زخم العمل الفني استيعاباً كاملاً يقصر عنه متذوق آخر حيال موضوع واحد.

فكل شخص يميل إلى تذوق الجميل الذي يتناسب مع معتقداته ومدركاته وهذا ما يؤكده بعض المفكرين (هيغل) باستعماله معياراً للجمال وذلك لاختلاف الأذواق إلى ما لا نهاية.

قد يعجبك ايضا