الرئة الثالثة للأرض ليست بشرية

ياسر بادلي

حين تتنفّس الأرواح، لا تسأل عن
جواز السفر ولا عن شكل الصلاة.
تتسلّل من بين ضلوع الغيم،
وتبحث عن معنى ليس له جنسية،
عن وطنٍ لا يُرسم على الخرائط،
عن بيتٍ تُضيئه المحبة لا الكهرباء.

في البدء، لم تكن هناك أسلاك شائكة، ولا طوابع بريدية، ولا نشيد وطني
يُعزف قبل القتل.
كانت الأرض مجرّد حلم أخضر،
يمشي عليه الإنسان…
أي إنسان.
بقدمين عاريتين وقلب يسأل:
من أنا في هذا اللاحدّ؟
ثم نطقت الألسن بلغاتٍ متعددة،
وصنعت الشعوب أسماءها من طين الذاكرة.
لكن الرسالة بقيت تنبض في الهواء:
ازرع، لا تقتلع.
ابنِ، لا تهدم.
جاوِر، لا تبتلع.

جاء الكوردي،
قلبه يشبه الأغاني القديمة
يغرس الحب كما تُغرس الأشجار في الوديان،
كلّ وردة لديه تعرف معنى الكرامة.

جاء العربي،
يشعل الصحراء بالشغف،
ويخيط من الرمل مآذن ونوافذ،
ويعلّم الشمس كيف تبتسم.

جاء الألماني،
يحمل في يده ميزان الوقت،
يبني لا ليستولي،
بل ليُعلّم الحجر الانضباط.

جاء الفارسي،
يحمل الكتب كأنها أولاده،
يخطّ من الحرف سلمًا إلى الفكر.

جاء الصيني،
صامتًا كنسمة،
يعمل في الظل،
ويمرّ… لكن أثره لا يُمحى.

هكذا،
لم يأتِ أحد ليُلغي الآخر،
بل ليكون نغمة في السيمفونية الكبرى
التي كتبها الله دون حاجة لمترجم.

فمن نحن؟
من نحن لنقيس الإيمان بالملابس؟
أو نمنح مفاتيح الجنة ونحن لا نملك حتى مفاتيح أنفسنا؟
من نحن لنحوّل الله إلى حزب سياسي،
ونحوّل الدين إلى جدار عزل؟

الإيمان ليس صوتًا عاليًا،
بل يدًا تمسك يدًا أخرى في العتمة.
السلام لا يُؤمر به،
بل يُربّى كطفل في حديقة القلب.

هذه الأرض..
ليست ملكًا لنا.
هي ضيف عابر في سيرتنا،
وأمانة سنسلّمها إما مزهرة أو محترقة.

فدعنا نتنفّس، كما تتنفّس الأرواح:
بلا قنابل، بلا فتاوى، بلا عقد.
دعنا نصغي لاختلافنا كما يُصغى للموسيقى.
دعنا نصير نحن بلا أسوار.
دعنا نعيد زرع الرئة الثالثة للأرض،
قبل أن تختنق لعلنا، يوما ما، نصير
بشرًا..

قد يعجبك ايضا