إبراهيم خليل إبراهيم
الفنانة فايزة أحمد يشاع أنها سورية ولكنها لبنانية الأصل فهي من مواليد 5 ديسمبر عام 1930 في صيدا بلبنان لأب سوري وعاد والدها إلى دمشق العاصمة السورية وعاشت فايزة في سوريا وعندما تقدمت للإذاعة اللبنانية لم يتم قبولها وعندما تقدمت إلى الإذاعة السورية في حلب نجحت.
ذات يوم أخبر محمد العاقل عازف الايقاع بفرقة الإذاعة الموسيقار رياض البندك أنه سمع في مسرح سوريا صوت فتاة يعتبره من أجمل ما سمع من أصوات وذات ليلة حضر رياض البندك ليستمع إلى هذا الصوت وقدمها ليلتها مذيع الحفل باسم فايزة أحمد وغنت فايزة أغنية أم كلثوم ظلموني الناس وشعر رياض البندك منذ الوهلة الأولى أنه يقف أمام مطربة ممتازة وتأكد أنه من الممكن أن تصبح يوما ما أعظم المطربات.
بعد الانتهاء من غنائها طلبها.. فجاءت مسرعة واتفق معها أن تنتظره صباح اليوم التالي عند باب الإذاعة ولم تنم فايزة أحمد ليلتها من فرحتها وفي الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي وجدها أمام باب الاذاعة فدخل معها مكتب المدير العام أحمد عسة وبمجرد أن رآها المدير غمزه وفهم رياض أن شكلها لم يعجبه فخرج رياض من المكتب وأجلسها في الصالون وعاد إلى المدير الذي سأله: من هذه؟ ان شكلها نحيف! فقال له في ثبات: لا تحكم على شكلها الا بعد أن تستمع لصوتها هذا الصوت من أعظم الأصوات التى استمعت له في حياتي.
أخذ رياض البندك على نفسه عهدا بأن يولى فايزة العناية بمظهرها والأخذ بيدها حيث كانت حالتها المادية سيئة للغاية وتسكن في غرفة بإحدى الفنادق الرخيصة وكانت في الثامنة عشرة من عمرها.
أختار الموسيقار رياض البندك موشحا أندلسيا من شعر ابن الهاني الأندلسي وقام بتلحينه لتغنيه فايزة أحمد ونذكر منه:
امسحوا عن ناظري كحل السهاد
وانفضوا من مضجعي شوك القتاد
وخذوا مني ما أعطيتموا
لا أحب الجسم مسلوب الفؤاد
وفوجئ وهو يقوم بتحفيظها للموشح بأنها لا تقرأ ولا تكتب فزاد في تصميمه على تبنيها وبقي معها شهر كامل حتى حفظت كلمات الموشح ثم ذهب معها للاستوديو لإجراء البروفات قبل التسجيل وعندما استمعت الفرقة الموسيقية لصوت فايزة ذهلوا من جماله وأدائها وفجأة دخل المدير العام أحمد عسة واستمع لمدة ثلاث دقائق فقط ثم خرج وعندما عاد الى الاستوديو اصطحب معه بعض موظفي الاذاعة وظهر ارتياح فايزة بعد أن كان وجهها يتصبب عرقا فالابتسامة كانت تملأ وجوههم وفهمت فايزة بذكائها أن هناك شيئاً من الإعجاب وتم تسجيل الموشح وأذيع وبدأت المكالمات الهاتفية تنهال على فايزة أحمد من جميع أنحاء سوريا وبعد هذا النجاح لحن رياض البندك للفنانة فايزة أحمد موشحا من نظم الشاعر الفلسطيني حسن البحيري يقول مطلعه :
أنت طيف أحسه في الأماني
يا بعيدا وأنت في وجداني
هلموا شباب العرب
عام 1953 تلقى الموسيقار رياض البندك دعوة من القاهرة للسفر اليها والاشتراك في تأسيس اذاعة صوت العرب فتقدم باستقالته من الاذاعة السورية التي رفضت قبول الاستقالة فتسلل الى بيروت ومنها سافر الى القاهرة حيث بدأ العمل بها بأن سجل نشيدين.. الأول نذكر منه:
هلموا هلموا شباب العرب
الى المجد والمجد للأقوياء
اذا ما اتحدنا بلغنا الارب
وعند السماء رفعنا اللواء
وهو من شعر حسين طنطاوى أما النشيد الثاني فهو من كلمات الدكتور عبد السلام العجيلي ومطلعه:
السهول والربا رددت ندانا
حين جردنا الظبي نفتدى حمانا

لم تنقطع صلة رياض البندك بجوهرته التي اكتشفها فايزة أحمد حيث جاءته مكالمة تليفونية منها وقالت له: التلميذة لحقت بأستاذها وأعطته فايزة أحمد عنوانها في فندق شعبي بالعتبة فوعدتا بالزيارة ثم تحدث مع الإذاعي أحمد سعيد مدير اذاعة صوت العرب عن فايزة أحمد وعن صوتها.. فرحب بها في صوت العرب التي كان من أهدافه الأولى تقديم الفنانين العرب وأحضر رياض البندك لفايزة أحمد أقوى فرقة موسيقية بقيادة أحمد فؤاد حسن وبدأت البروفات في حجرة من حجرات معهد الموسيقى العربية بشارع رمسيس ولكن تم الانتقال الى مكان آخر لكثرة الاقبال على المكان حيث جاء الجميع ليستمع لغناء فايزة أحمد وفي المكان الجديد وأثناء البروفة إذا بضربات على الباب وفجأة وجد رياض البندك أمامه كمال الطويل وبليغ حمدي جاءا ليستمعا لصوت فايزة وفي يوم من الأيام تقابل رياض البندك مع الموسيقار رياض السنباطي الذي بادره بحديثه عن فايزة أحمد وقال :
((دا صوت الواحد يتمنى يلحن له))! وبدأت فايزة أحمد تتنقل بصوتها بين كبار الملحنين وقالت فايزة أحمد للموسيقار رياض البندك : ((هذا شغل ربك)).
الفنانة فايزة أحمد تعاملت مع نخبة من الشعراء والملحنين ونذكر من الشعراء على سبيل المثال حسين السيد وعبد الرحمن الأبنودي ومرسي جميل عزيز ونزار قباني وصالح جودت ومأمون الشناوي ومحمد حمزة وعبد الوهاب محمد وعمر بطيشة وسيد مرسي والدكتور علي الباز ونبيلة قنديل وعبد الجليل وهبي ومحمد حلاوة وعبد العزيز سلام ومن الملحنين نذكر محمد الموجي ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد سلطان وكمال الطويل وعبد العظيم محمد وحلمي أمين.
شاركت الفنانة فايزة أحمد في حفلات أضواء المدينة وأيضا في حفلات كثيرة داخل مصر وخارجها.
الفنانة فايزة أحمد شاركت في ستة أفلام سينمائية هى: تمر حنة والمليونير الفقير وامسك حرامي وأنا وبناتي وآخر أفلامها كان منتهى الفرح
قال محمد سلطان عن فايزة أحمد: فنانة استثنائية جدا ولم أر في حياتي من يعشق الغناء على الدوام مثلها.
الشاعر الصحفي كامل الشناوي أطلق على فايزة أحمد لقب كروان الشرق وكان يؤكد للجميع أنها تمتلك صوتاً عظيماً يفوق كل صوت سواه وقال مقولته الشهيرة: إذا كانت أم كلثوم كوكب الشرق فأنا أرى أن فايزة تليها في الإجادة وهي كروان الشرق.
وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب قال عن صوتها إنه مثل الكريستال المكسور وقالت أم كلثوم إن صوت فايزة هو الصوت النسائي الوحيد الذي تطرب له وتسمعه بنشوة وأكدت أنها الوحيدة التي ستخلفها على عرش الأغنية.
مساء يوم الخميس 29 يناير عام 1981 كانت الفنانة فايزة أحمد تغني على مسرح نادي القاهرة وفجأة وهى مندمجة في الغناء انفجر مصباح كهربائي معلق فوق رأسها تماما ولكن بدلا من أن يسقط عليها تناثر حطامه من حولها وبالتالي انقطع التيار الكهربائي وساد الظلام المسرح وتمالكت الفنانة فايزة أحمد نفسها واكملت الغناء بدون ميكرفون مما أوقف الهرج والمرج بين الجماهير وعاد التيار الكهربائي واكملت الفنانة فايزة أحمد وصلتها الغنائية وعندما أسدل الستار وقعت فايزة أحمد مغشيا عليها.
أذكر أيضا أن الموسيقار محمد سلطان زوج فايزة أحمد كان في فرنسا بصحبته ولديه طارق وعمرو تلقى اتصال هاتفي من فايزة أحمد وطلبت منه أن يحضر في أقرب وقت نظرا لمرضها الشديد وبالفعل حضر محمد سلطان لمصر وتحدث مع فايزة أحمد في موضوعات كثيرة لم يتحدثا عنها منذ سنوات عديدة وفي اليوم التالي أيقظته فايزة في الساعة الثالثة فجرا نظرا لمرضها الشديد وحاولوا علاجها في المنزل ولكن نظرا لحالتها المرضية السيئة قام محمد سلطان بنقلها بسيارته إلى المستشفى وفي الطريق قالت لمحمد زوجها:
((أجرى أجري على المستشفى يا محمد سوق.. سوق بسرعة يا محمد.. أنا انتهيت)) ثم نامت فايزة على صدر زوجها محمد سلطان وعندما وصلت للمستشفى دخلت في غيبوبة تامة والأطباء طلبوا من فريال ابنة فايزة أحمد مغادرة غرفة المستشفى ثم نزعوا عن جسدها كل الأجهزة الطبية لأن روحها صعدت إلى بارئها عن عمر يناهز 52 سنة وكانت عقارب الساعة تشير إلى يوم 21 سبتمبر عام 1983 وتوارى جثمانها في مقابر عائلة زوجها الوفي الموسيقار محمد سلطان