الاستاذ الدكتور : نزار الربيعي
للمسيحية تاريخ سحيق بالعراق, يعود إِلى ارهاصات الديانة الأولى, وربما كان التبشير في ربوعه عقب سقوط اورشيلم على يد طيطس سنة 70 م مباشرة, وهناك من اشار إِلى بدايات بالعراق بعد ثلاثة عقود من غياب عيسى المسيح, ومن اعتقد ان حدياب (اربيل) قد تنصرت عام 59م, أشارت هذه الروايات بوضوح إِلى تنصر بلاد الرافدين بفعل حركة تبشرية هادئة, بعيدا عن فتوحات الروم البيزنطية لكن ليس هناك من ينفي دور الخلافات الرومانية الساسانية في نشوء وصراع المذاهب المسيحية كالنسطورية واليعقوبية, فقد شجع الساسانيون النسطورية, المرفوضة عند الرومان, في ان تسود ببلاد المشرق, واذ كانت سيادة المسيحية التامة في الشام بفعل اباطرة الرومان المسيحين, فإنَّ انتشارها وانحصارها بالعراق له صلة مباشرة بتقلب الأحوال بين الدولتين, استفاد المسيحيين بالعراق من اجواء السلم والحرب على السواء, ففي السلم يطلب الرومان حمايتهم كشرط من شروط المهادنة وفي الحرب يدفعهم الساسانيون إِلى المزيد من الخلاف المذهبي مع الكنيسة البيزنطية مقابل تسهيلات دينية, من ابرشية فرات ميسان (البصرة) وصلت المسيحية إِلى الصين والهند, وفي عرض المحيط الهندي.
عمر المسيحية في بلاد الرافدين عشرون قرنا, واجهت خلالها اليسر والعسر تبعا إِلى الظرف السياسي وشخصية الحاكم الفارسي المجوسي أو العربي المسلم, وكثير ما كان للنساء والجثالقة دور في سريان التسامح الديني, لم يحصل ان تبوا مسيحي الحكم في جهة من جهات العراق, فترات الانفراج التي يعاد خلالها عمران الكنائس, تقام الطقوس بحرية, تعرض المسيحيون لدورات دموية فقد فيها القساوسة والاتباع, بين القتل والردة عن الدين بالقوة, وما فقدوه من وثائق تاريخية وممتلكات كنسية نفيسة, يكاد لا يخلو عصر من العصور من حوادث مريعة ضدهم, وهذا الحال دفعت بالاب اسحاق ارحلة السريان (1954) ان يجمع نكبات أهل ملته في القرون المتأخرة على يد امراء اتراك واغوات كرد, بين دفتي كتاب واسمه (القصارى في نكبات النصارى).
هناك روايات وآراء عديدة حول دخول المسيحية إِلى العراق, منها أوَّل جماعة نصرانية قامت في بلادنا, وهناك من اعتقد مار توما الرسول هو أوَّل المبشرين بالمسيحية في العراق بعد اربل, تحدثت المصادر عن وصول المسيحية إِلى مناطق العراق الأُخرى, فدخلت الموصل في زمن الرسل عن طريق (ما لا يقل عن ثلاثة من الرسل الاثني عشر, وهم بطرس وتوما يصحبهم أربعة من التلاميذ السبعين) بينما تأخر دخولها إِلى جنوب العراق إِلى عهد الملك الساساني شابور الأوَّل.
في عهد الحيرة المسيحية, عاصمة المناذرة القريبة من المدائن, كان لها دورها في توطين وتوطيد المسيحية بالعراق, ذلك عن طريق عدد من ملوكها وزوجاتهم فالنسطورية السائدة هناك والمخالفة للكنيسة الرومانية, مريحة للساسانيين ملوك الحيرة.كانت الحيرة من المراكز المهمة في حركة التبشير بالنصرانية بين العرب.
توزع الكاثوليك الكلدان على بغداد والموصل والبصرة والكوت وزاخو ودهوك حتى الثلاثينات كانوا يؤلفون في العراق (97995) نسمة, أمّا النساطرة أو الآشورين, فلم يذكرهم الدليل العراقي لعام 1936, بسبب القتال الذي دار بينهم وبين الحكومة قبل ثلاثة سنوات من صدور الدليل المذكور, واسقاط الجنسية العراقية من معظهم, وتسميتهم بالاثوريين, بعد مطابتهم بحقوق قومية, فتم الاستيلاء على كنائسهم واديرتهم, التي كانت خاصة بالكنيسة الشرقية قديما, قال ناجي شوكت (رئيس وزراء سابق وشاهد على ما حدث), كان الملك فيصل قد غادر العراق إِلى لندن في 5/6/1933 في زيارة رسمية, وجهها اليه ملك بريطانيا, وفي أثناء غيابه حدثت حادثة الاثوريين الشهيرة واضطر للعودة إِلى العراق في الثامن من حزيران /1933.