عباس عبدالرزاق
في قلب جبال جنوب القوقاز، وعلى رقعة جغرافية صغيرة تُعرف باسم “زانڭزور”، تتقاطع مصالح دول كبرى، وتتشابك أطماع قديمة بصيغٍ جديدة. لم يعد الممر الذي تطالب به أذربيجان مجرد طريق لوجستي، بل تحول إلى أداة لإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي، حيث تجد إيران نفسها اليوم في مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة، تتخذ فيها الجغرافيا شكل السلاح، والممرات حدودًا للسيادة والهيمنة.
ممر زانڭزور: الجغرافيا التي تكشف التوتر
تُظهر خارطة جنوب القوقاز (انظر: الخريطة تموضعًا بالغ الحساسية: أذربيجان شرقًا. أرمينيا في الوسط.
جمهورية نخجوان الذاتية التابعة لأذربيجان إلى الغرب، لكنها مقطوعة جغرافيًا عن أذربيجان الأم
تركيا تقع إلى الغرب من نخجوان.
إيران تشكل الحدّ الجنوبي المشترك مع أرمينيا ونخجوان.)
ما يفصل أذربيجان عن نخجوان هو إقليم أرميني يُعرف بـ زانڭزور (محافظة سيونيك)، وهو ما تحاول باكو تجاوزه بإنشاء ممر بري عبر الأراضي الأرمنية، يُتيح لها الاتصال المباشر بنخجوان، ثم بتركيا.
المطلب الأذري ليس جديدًا، لكنه تصاعد بقوة بعد حرب ناغورنو كاراباخ (2020)، التي انتهت بوقف إطلاق نار رعته موسكو، ونصّ من ضمن بنوده على “فتح طرق التواصل الإقليمي”، دون أن يحسم السيادة على هذه الممرات.
الممر بين مشروعين: السيادة الأرمينية والطموح التركي
أذربيجان تطالب بممر حر وخالٍ من أي رقابة أرمينية، يُعرف بـ “ممر زانڭزور”، مما يعني فعليًا اقتطاع جزء من السيادة الأرمينية لصالح مشروع جيوسياسي تركي أذري مشترك
أرمينيا ترفض بشكل قاطع التنازل عن سيادتها على أراضيها، وتعدّ هذا المطلب خرقًا للاتفاقات الدولية وتهديدًا لوحدة أراضيها
تركيا تؤيد المشروع بقوة، وتعتبره حلقة أساسية في ربط العالم التركي الممتد من الأناضول حتى آسيا الوسطى، وهو ما يُعرف بـ “الحزام التركي”.
إيران: الطريق المقطوع نحو القوقاز
بالنسبة لإيران، لا يدور الخلاف فقط حول المرور، بل حول إعادة ترتيب الإقليم بطريقة تُقصيها من مشهد القوقاز.
في حال تنفيذ مشروع الممر، فإن:
إيران ستُفصل جغرافيًا عن أرمينيا، وهو المعبر الوحيد لها إلى أوروبا دون المرور عبر تركيا.
سيفقد محور “إيران–أرمينيا–جورجيا” قيمته الاستراتيجية كممر بديل للغاز والتجارة.
ستصبح إيران محاطة بمحور تركي–أذري–إسرائيلي–أطلسي يمتد من بحر قزوين حتى البحر المتوسط.
الخطة الأمريكية: شركة خاصة وجنود بلا علم
أعادت وسائل إعلام إسبانية (انظر: تقرير El Confidencial, يونيو 2025) تسليط الضوء على الخطة الأمريكية المقترحة لحل الخلاف:
الولايات المتحدة تعرض إدارة الممر لمدة 99 عامًا عبر شركة أمنية أمريكية خاصة، مع نشر نحو ألف مقاول عسكري أمريكي على طوله.
هذا المقترح، وفق التسريبات، يهدف إلى تجاوز الخلاف السيادي بين أرمينيا وأذربيجان عبر تدويل الممر عمليًا، لكن نتيجته الاستراتيجية أن القوات الأمريكية ستصل لأول مرة إلى حدود إيران الشمالية مباشرة، دون الحاجة إلى قواعد عسكرية رسمية.
الموقف الإيراني: التهديد والرد الحذر
الرد الإيراني جاء على لسان علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني، الذي قال إن هذه الخطة تسعى لتحقيق “أهداف غير مشروعة في جنوب القوقاز”، وإن إيران “سترد ردًا حاسمًا” على أي محاولة لإعادة رسم الخريطة دون موافقتها.
لكن الرد العسكري الإيراني يبدو مستبعدًا، نظرًا لتعقيدات المنطقة وتحالفات الأطراف المعنية.
خيارات إيران: أوراق ناعمة في مواجهة صلبة
رغم التصعيد، يبدو أن إيران ستكتفي بخيارات غير عسكرية و تعزيز العلاقات مع أرمينيا، سياسيًا واقتصاديًا، لتثبيت النفوذ على الحدود. التعاون مع روسيا التي بدورها قلقة من التمدد التركي الأطلسي
و دعم الخطاب الطائفي داخل أذربيجان بشكل غير مباشر، لخلق توازن رمزي.
التحرك داخل المنظمات الإقليمية لعرقلة الاعتراف الدولي بالممر.
الحفاظ على ورقة الأقليات الأذرية داخل إيران كورقة ضغط صامتة.
في النهاية، يبدو “ممر زانڭزور” أصغر من أن يُشعل حربًا، لكنه أكبر من أن يُترك دون صراع.
إنه اختبار حقيقي لمعادلات النفوذ في جنوب القوقاز، بين إيران المحاصرة، وتركيا المتقدمة، وأذربيجان الطموحة، وأرمينيا العالقة، والولايات المتحدة الباحثة عن موطئ قدم جديد. في جغرافيا الممرات، من يسيطر على الطريق، يرسم الخريطة.