تركيا بين السلام والفكر القومي السلبي

د. توفيق رفيق التونچي

‎ “لقد نسبوني للضلال لأنني مخالفهم فيما أقول و أكتب” 
الشاعر جميل صدقي الزهاوي.

“انتم احرار ان تتركو البلاد ومن الحكمة ان لا تعودون اليها” هكذا يردد القوميون في اوربا اليوم بعد ان شد عودهم بين جميع المجتمعات الغربية. فهل اننا في عصر غياب الحرية مع حقوق الانسان والتعبير وكلاهما في خطر ؟ هناك الكثير من المحذورات في دول تعتبر مراكز للديمقراطيةً فهل جاء اليوم لنقول وداعا يا “حرية التعبير”. 
اليوم يحدث الكثير حولنا وفي جميع انحاء العالم ولنأخذ مثالا في الشرق جمهورية تركيا تلك الدولة التي ورثت ميراث الدولة العثمانية الأمبراطورية التي كانت حاكمة خلال اكثر من ٦٠٠ سنة على عشرات الدول في ثلاث قارات. المشكلة الأساسية ان سياسة الإمبراطورية الموروثة رغم قدمها والتي أصبحت اليوم في الماضي لكنها تعشعش في الفكر والسلوك التركي ولم يتمكن الأتراك من شعب دولة تركيا تركها رغم انهيار الدولة العثمانية .

الدولة التركية الحديثة أسست حديثا ورغم محاولات مؤسسها باتباع العلمانية في سياسة الدولة الحديثة مع تحديث القوانين والملبس والكتابة واختيار التيار الغربي في أسلوب الحياة إلا ان ذلك غير فقط جزء صغير من المجتمع وبقت الأكثرية مرتبطة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف ولمً تتغير الأعراف والتقاليد المتجذرة في مجتمع الدولة وبين جميع قومياتها. ليس فقط في التراث الشعبي لشعب تركيا بل حتى بين جميع أحزابها السياسية من اقصى اليمين القومي السلبي إلى أقصى اليسار الشيوعي. هذا التناقض بين القديم والجديد العلماني يمكن مشاهدته في جميع مرافق الحياة وحتى الحياة الأدبية والفنية ويمكن معايشتها في افكار الناس في الشارع فهم علمانيون ينادون بالعلمانية من ومن ناحية أخرى يفتخرون بتاريخهم الدموي وينادون بالسلام كما قال اتاتورك بان تركيا الحديثة “السلام في الوطن السلام في العالم.” 
بقى ان نعلم ان الوجود التركي في الأناضول لا يتعدى الألف ومائتي من الأعوام وقد جائوا كمهاجرين سلميين من سهول اسيا الصغرى وكقبائل انتشروا على ثغور الدولة البيزنطينية حتى قيام حكم السلاجقة الترك في مدينة قونيا وصراعها المستمر مع الدولة البيزنطينية . تلك القبائل تواصلت بالمجيء وربما كان اخرها قبائل الأوغوز وقائدهم طغرل بك والد عثمان مؤسس الدولة العثمانية مقامه في مدينة بورصا الساحلية وهو من قبيلة قايي التركمانية وهم من الاوغوز وهؤلاء كانوا نواة الدولة العثمانية ويتميزون بالشدة والقوة والطاعة العسكرية.من الطبيعي انً هذه البلاد لم تكن صحراء خال من البشر ولا يسكنها البشر ، كانت هناك شعوب تعيش في الأناضول قبل مجيء الأتراك السلاجقة اقوام من حثيين، فينيقيين، أرمن، كورد، سريان، لاظ، روم، يونانيين وشعوب أخرى كثيرة انصهرت في التكوين العثماني لاحقا نتيجة الدين الإسلامي الذي لا يفرق بين المسلمين إلا بالتقوى. 

 الديانات السماوية بقت دائما تعيش في سلام جنبا إلى جنب واختفى تماما العقائد الدينية المغولية بعد ان عاشت جنبا إلى جنب مع الديانات الأخرى . شعب تركيا بتكوين التعددي منار سلام في المنطقة وهم على اختلاف قومياتهم وعقائدهم عاشوا الآلاف السنين جنبا إلى جنب في حوار حضاري سلمي. 

اليوم بدأت عملية السلام في هذه الربوع بعد سنوات من القتال والمآسي التي تعرض لها شعب دولة تركيا وليبارك الرحمن الجميع . الخطوات السلمية ستؤدي حتما إلى رفاهية ابناء المجتمع ولن تهدر الثروة الوطنية الاقتصادية والبشرية في الحروب والنزاعات.  وستكون لها انعكاسات ايجابية في المنطقة ويعزز السلام العالمي . التاريخ المشترك للشعوب والعقائد يذكرنا كذلك بان اليهود اللذين طردوا من الأندلس سكنوا في الدولة العثمانية وبسلام ولا يزالون. ونرى لحد اليوم الأديرة والكنائس منتشرة في معظم مدن تركيا واريد ان اذكر وللتاريخ فقط بان المسيحية دين وليست بقومية ولا تنفرد قومية واحدة في المنطقة وتنحصر الدين في أفرادهم بل هم متواجدون بين معظم القوميات وهذا كان حالهم مع انتشار المسيحية في المنطقة من أنطاكية حيث اقدم الكنائس المسيحية وأقدم مدينة إلى أورفا (الرها ) وطور عابدين . اما انتشار الدين الإسلامي فقد كان جزئيا سلميا اي لم يذكر التاريخ غزوات إسلامية مع السلاجقة الأتراك لان دخولهمً الدين الإسلامي جاء طوعيا. حيث يعتبر أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق، المؤسس الحقيقي للدولة السلجوقية وأول سلاطينها، بسط سيطرته ونفوذه حتى شمل خراسان وبلاد فارس والعراق كما حقق انتصارات كبيرة في بيزنطة وجورجيا . هذه اللوحة السلمية للتعايش في الدولة العثمانية تغيرت كليا مع دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الاولى وانتشار الأفكار القوميةً القادمةً من الغرب . حيث حصل ما يسمى بمذابح الأرمن وذلك باتهام الشعب الأرمني بالخيانة العظمى من قبل العثمانيين و الوقوف بجانب اخوتهم في الدين من الروس.

فجميع القرى والمدن الأرمنية خالية اليوم من الأرمن تماما كما هي عليها مدن أمثال ارض روم و وان ارتقين وجميع القرى المحيطة بالمنطقة. اليوم جل تلك المناطق سكانها من القومية التركية و الكوردية. 
قال الله تعالى في الذكر الحكيم: 

“قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم.”

الأتراك يعشقون ان يمدحون ويستفزهم كافة أشكال النقد ويعتبرونه تجريحا لهم. هذا ما نراه اليوم في سلوك الاستعلاء و التشديد على عقاب اي شخص ينقد رئيسهم رغم ادعائهم بالديمقراطية وحرية التعبير و احترام الرأي الاخر حيث نرى ان الكل يعاقب حتى لو كان اجنبيا ويحمل جنسية دولة أخرى. قد يكون كل ذلك نوعا من الاستكبار لشعب قال رئيس وزراءه المرحوم بولند اجويد يوما ما معناه ان شعب تركيا يعبدون الله سبحانه وتعالى حبا به وليس خوفا من عقابه. ولنا في سيرة نبينا محمد صلى الله علية وسلم أسوة حسنه . 

تذكرت رواية حول السخرية من الرئيس وعواقبه ايام حكم البعث في العراق وقد حصلت مع مذيعة عراقية في التلفزيون حين استهزأت بزي الرئيس وأخرى حين وشى طفل والده حين ذكر لهم بانه يهين صورة الرئيس المعلقة على الحائط في بيتهم. نحن امام موجه قد تصل حد التقديس للبشر والعياذ بالله وهي حالة عامة في العديد من دول العالم. اي اعتبار جريمة يعاقب عليها القانون اي اهانه اوً اي نقد بوجه للرئيس المعصوم عن الخطاً. 

التغير يحتاج إلى شجاعة والى قبول الجديد والتغير وترك ارث الماضي وبناء المستقبل على أسس التسامح من ناحية ومن ناحية اخرى تامين الجو الملائمً لعملية السلام والحل العقلاني لجميع ما ترتب من اثار الحرب والقتال ومن ضمنها ضمان الحياة الكريمة لجميع الأطراف بعيدا عن مبادئ الأخذ بالثار القبلية وصولا إلى السلم الاجتماعي.

وتبقى فساد الملوك من فساد علمائها ويبقى السلام كذلك املا لأجيال المستقبل. 
وحسن الختام بقوله تعالى:
“إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ”
 الرعد:11
 لا يغير الله ما في نفس 
 
الاشارات: 
للمزيد حول المرحوم بولند اجويد راجع كتاب؛ ‎بولند أجويد ودوره في السياسة، حامد محمد السويداني ، دار غيداء للنشر والتوزيع، 2015.

قد يعجبك ايضا