أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر
في اللحظات المفصلية من مسيرة أي حركة تحررية، لا يُقاس الصواب بعدد البنادق، بل بقدرة القيادة على قراءة المرحلة، واستباق التحولات، واختيار التوقيت الذهبي للتبديل الذكي في الأدوات.
لقد أُسيء فهم مصطلح “نزع السلاح” في الخطاب العام، وصُوّر أحيانًا وكأنه تخلٍّ عن القضية أو رضوخ لشروط الطرف الأقوى. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير:
إن الحديث عن نزع السلاح من قبل الحزب العمال الكوردستاني لا يعني بالضرورة التخلي عن القضية الكوردية، كما لا يعني التنازل عن الحقوق القومية، بل هو استبدال وسيلة بأخرى، ونقل النضال من ساحة السلاح إلى ميدان السياسة، حيث تُدار المعارك الأكثر تأثيرًا والأقل كلفة.
“نحن لا نتخلى عن أسلحتنا، بل نستبدلها بأخرى أكثر قوة وحكمة. نطفئ نار الحرب لنشعل نور السلام، ونستبدل السلاح بالكلمة، والرصاص بالفكرة.”
بهذا التصور، يمكن لأي حركة مسلحة أن تدخل مرحلة جديدة دون أن تفقد هويتها، بل على العكس، أن تعيد توجيه رأس مالها الرمزي نحو أفق أكثر فاعلية واستدامة.
السلاح قد يُسكت خصمًا، لكنه لا يُقنع رأيًا عامًا. وقد يفرض تراجعًا ميدانيًا، لكنه لا يُنتج شرعية. أما الكلمة المدعومة بالفكر، والتنظيم، والحضور القانوني، فهي التي تُنضج الثورات، وتحوّلها إلى أنظمة، وتعيد بناء المجتمعات على قاعدة الحقوق، لا الثأر.
التحدي الأكبر ليس في إلقاء السلاح من قبل مقاتلي حزب العمال الكوردستاني، بل في بناء البديل السياسي والمؤسساتي القادر على حمل القضية بوسائل جديدة.
فالقوة التي يمتلكها الحزب في الجبل يجب أن تُترجم إلى حضور في المدن، في البرلمان، في الإعلام، وفي المجال العام. وهذا لا يتم إلا حين يتحرر القرار السياسي من منطق البندقية، ويتّسع لاستيعاب منطق العصر.
لقد تغيّر شكل الصراع. لم تعد الجبهات تُرسم في ساحات المعركة، بل في قاعات التفاوض، ومراكز صنع القرار، ومنصات الإعلام. ولذلك، فإن نزع السلاح اليوم هو إعلان انتقال من الحرب إلى البناء، من الصوت المرتفع إلى الصوت المسموع، من التكتيك إلى الاستراتيجية.
القضية الكوردية في تركيا الحديثة لا تحتاج مزيدًا من الدم، بل تحتاج لغة جديدة تُعيد تقديمها للعالم كقضية عادلة تسعى لحلول واقعية وسلمية، تحفظ الكرامة وتراكم المكاسب لا الخسائر.
إن قرار نزع السلاح، حين يُفهم في سياقه الصحيح، ليس انسحابًا من ساحة النضال، بل إعادة ترتيب للأولويات والوسائل. هو انتقال من مرحلة دفاعية إلى مرحلة هجومية… لا عبر البنادق، بل عبر الأفكار، والتحالفات، والتشريعات.
إنّ القرار الجريء الذي اتخذته قيادة حزب العمال الكوردستاني بنزع السلاح لا يمكن قراءته إلا باعتباره تحوّلًا وطنيًا عالي المسؤولية، وخطوة استراتيجية تعبّر عن نضج سياسي عميق، لا عن تراجع أو هزيمة.
وما كان لهذا التحول أن يتم لولا الجهود الحكيمة والمتوازنة التي بذلها الرئيس مسعود بارزاني، و رئيس أقليم كوردستان (السيد نيجيرفان البارزاني)وحكومة إقليم كوردستان برئاسة (السيد مسرور البارزاني)، في خلق مساحة آمنة للحوار، وبناء جسور الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستبدال منطق المواجهة بمنطق الشراكة والمصالح المتبادلة.
وفي هذا السياق، تقع على عاتق الحكومة التركية مسؤولية تاريخية في أن تستوعب هذا التحول بوعيٍ سياسيّ بعيدٍ عن منطق الانهزام والشك والتخوين، وأن تُبادر هي الأخرى إلى فتح باب الحلول السياسية المستدامة، لا من باب المناورة، بل من باب الاعتراف الصريح بالحقوق القومية للشعب الكوردي داخل تركيا، واحترام هويته، وثقافته، ومشاركته المتكافئة في دولة المواطنة.
إن نزع السلاح ليس نهاية، بل بداية لمرحلة جديدة يجب أن يُكتب فيها تاريخٌ مختلف، قوامه العدل بدل القمع، والمشاركة بدل الإقصاء، والسلام بدل الدوّامة الدموية. فإما أن تكون تركيا على قدر هذه اللحظة التاريخية، أو تفقد فرصة نادرة لبناء مستقبل مشترك، تتسع فيه الدولة للجميع، بلا خوف، ولا إنكار، ولا تهميش.