ساطع الجميلي شاعرٌ يحترف الألم وينقّب في الوجع

محمد علي محيي الدين

في ناحيةٍ هادئةٍ من بابل، حيث يختلط عبق النخيل بندى الفجر، وُلد ساطع محمود الجميلي يوم الرابع من آب عام 1956، وكأنّ مجيئه إلى الحياة كان وعدًا شعريًا مبكرًا لزمنٍ تتناوشه التحولات العاصفة. في الاسكندرية، تلك البلدة التي تحمل من اسمها رنين الحضارة، نشأ ودرس وتشرّب من ترابها ما يكفي ليكون ابنًا لها بحق، لا بالولادة فحسب، بل بالموقف والانتماء والقصيدة.

سلك طريق التعليم بعد تخرّجه من معهد إعداد المعلمين عام 1979، فصار معلّمًا يسقي الطفولة أحلامًا، ويخبّئ في دفاتره شذرات شعرٍ ستصبح لاحقًا أناشيد وجعٍ وسجلات روحٍ ممزقة بحنينٍ لا يُشفى.

لم يكن ساطع الجميلي شاعرًا طارئًا على التجربة، بل كان جزءًا من نسيجها، عضويًا وصادقًا، فكان عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وجمعية الرواد المستقلة، ومنتدى الإسكندرية الأدبي، وتنسيقية بابل للتيار الديمقراطي، وهي هيئات لم تُضف له شيئًا بقدر ما أضفى عليها من صدق الحضور وحرارة الانتماء.

بدأت رحلته مع الشعر من خارج النص، كما عنون أولى مجموعاته الصادرة عام 1997، وكأنه كان يعلن منذ البدء أن صوته لن يكون تابعًا، ولن يمضي في السياق المكرور للقصيدة، بل سيتحرك على تخومها، يخترقها حينًا، ويعاندها حينًا آخر. ثم جاءت “ذاكرة الألم” عام 2001 لتكرّس انحيازه للجرح الجمعي العراقي، ذلك الألم الذي لا يُروى، بل يُنَزُّ على الورق كدمعةٍ لا صوت لها. أما “تراجيديا الصباح” الصادرة عام 2018، فقد جاءت وكأنها نشيد نايٍ حزين في فجرٍ لا يُبشّر إلا بمزيدٍ من الخيبة، لكنها خيبةٌ مغنّاة، مجبولة بالجمال، وعصيّة على الاستسلام.

إنّ شعر ساطع الجميلي ليس ترفًا لغويًا، ولا تمرينًا على الإيقاع، بل هو شهادة وجودٍ في زمن الانمحاء. قصيدته هي موضع مقاومة، وصوته هو فعل احتجاجٍ ناعم، لكنه لا يقلّ صلابة عن الحناجر الغاضبة. يكتب كما يتنفس، ويهمس كما يصرخ، متّكئًا على إرثٍ شعريٍّ طويل، لكنه غير منقادٍ له، بل يعيد توليفه وفق نبضه الخاص.

في مشاركاته في مهرجانات المربد والجواهري، بدا كشاعرٍ لا يطمح للبهرجة، بل يحمل في كلماته ما يكفي من التوهج الهادئ، ذاك الذي يسكن في الذاكرة دون ضجيج. وقد نشرت قصائده في صحف بارزة مثل الاتحاد وطريق الشعب، ووجدت لنفسها مساحة في مواقع الثقافة والمثقفين، لتشكّل سجلًّا مفتوحًا لعصرٍ مشروخ.

ساطع الجميلي شاعرٌ لا يتكلّف عمقًا، بل ينحت تجربته بصبر وتواضع. لا يتعالى على القارئ، بل يُشركه في رحلته، فيسمعه دقات قلبه، ويشاركه همّه، ويحمله على أجنحة الكلمة إلى آفاقٍ أرحب من البؤس اليومي. إنه شاعر صدقٍ لا شاعر صدى، وصاحب موقف لا حامل يراعة.

قصيدته ليست مدفوعة بالزخرفة، بل مسنودة بالمعنى، وهذا ما يجعلها باقية، تتجاوز لحظتها وتذهب أبعد مما أرادها الكثيرون أن تبقى فيه. هو من أولئك الذين لم يركنوا للنجومية المصطنعة، بل ظلوا أوفياء للقصيدة، للمعنى، وللعراق.

في زمنٍ صار فيه الشعر متاهة استعراضية، يبقى ساطع الجميلي منارات قليلة تنير لنا الطريق، لا لتبهرنا، بل لتدلّنا على إنسانيتنا في عتمة الخراب.
وقصيدته “مبجل بالحلم”، التي تحمل عنوانًا ضمنيًا ينبني على جملة وهي عبارة تتكرر في النص وتؤسس لمناخه النفسي والرمزي، فهي قصيدة تأملية، وجودية، عميقة في دلالاتها، تنتمي إلى شعر الحداثة، حيث يتكئ الشاعر على رموز مفتوحة وصور متداخلة تنقل القارئ إلى فضاء من القلق والتوتر والتناقض بين الحلم والواقع.

يقول” إني مبجل بالحلم
لكنما الحلم بيضة
دونما نواة”

الحلم في هذا النص ليس نعمة، بل لعنة خادعة. يظهر أولاً بوصفه مصدر فخر وتقدير، لكنه يتحول سريعًا إلى شيء أجوف، “بيضة دون نواة”، أي مظهر بلا جوهر، شكل بلا مضمون. الحلم هنا خادع، مفرغ من القوة الخلاقة التي يفترض أن تتولد عنه، فتكون النتيجة مرارة وانكسار.
و”كيف أجري واشقى واراوغ
فهو سياق الزوال”
ويطرح تساؤلا يكشف عن تردد وجودي أمام مسار الحياة: الجري، الشقاء، المراوغة. هذه الأفعال لا تنتمي لمشروع حيوي بقدر ما تنتمي إلى عبث الوجود، إذ أن كل ذلك يصب في “سياق الزوال”. الزمن هنا ليس تطورًا بل فناء متواصل.

“والنوافذ بلا ريح”
صورة موحية ومؤلمة. النوافذ عادة ما تكون رابطًا بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، وهي التي تُدخل الهواء (الحياة، التغيير). أما هنا، فالنوافذ بلا ريح، أي أن لا شيء يدخل أو يخرج، عالم مسدود، خانق، جامد.

“وهكذا حبل الحلم يدرك رقبتي”
بعد أن كان الحلم مظهر تبجيل، ينقلب إلى أداة خنق. يتحول إلى “حبل” يطوّق الرقبة، ويمنع التنفس. الحلم لم يعد وعدًا بالخلاص، بل صار عبئًا يحاصر الذات، ويمنعها من العزف “على وتر المسافات”، أي من التواصل، أو الترحال، أو حتى التعبير.

“الآخرون إرث المشهد
ويمضون كأبناء الله”
الآخرون هنا ليسوا مجرد حضور عادي، بل هم “إرث المشهد”، كأنهم من يحكمون الصورة، ويتحكمون في مجرى الحياة، وكأن الشاعر ذاته مستثنى، معزول. الآخرون يمضون “كأبناء الله” في دلالة على امتياز ما، على انتساب لقدَر ما، أما الشاعر فيبقى مصلوبًا في عزلته.

“يقودهم مقبض الوقت
تستعين بهم آلة الزمن
لتخمة الخلق”

تشبيه الزمن بآلة تَستَخدم الناس، واحدة بعد أخرى “نطفة إثر نطفة”، يشير إلى أن الزمن ليس محايدًا، بل هو قوة تستغل البشر وتعيد إنتاجهم بلا معنى، حتى تصل إلى “تخمة الخلق”، في دلالة على عبثية التكرار، وفقدان الغاية، كأن الحياة أصبحت إنتاجًا آليًا متخمًا لا ضرورة له.

ولغة القصيدة مكثفة ورمزية: يغلب على القصيدة الاقتصاد في الكلمات، مع تركيز على الصور المكثفة والمجازات المفتوحة على قراءات متعددة، ويبرز التناص الرمزي والدينيفي قوله: “كأبناء الله”، “نطفة بعد نطفة”، تعبيرات ذات أصداء دينية لكنها محمّلة بنقد ضمني أو تساؤل وجودي، ورغم غياب الوزن التقليدي، فإن القصيدة تتمتع بإيقاع داخلي نابع من التكرار (الحلم، الزمن، الآخرون)، ومن التوتر الشعوري.

وهذه قصيدة وجودية بامتياز، تتحدث عن قلق الإنسان المعاصر، عن خيبة الأمل من الحلم، وعن الانفصال عن الذات والعالم. فيها نقد صامت لمجتمع يسير وفق إيقاع زائف، وزمن يتحكم بالبشر كآلة جائرة. الشاعر هنا ليس محاربًا، بل متأملًا حزينًا، يقف على تخوم المعنى، يحصي الخسارات، ويسائل جدوى “الحلم” حين يُولد دون نواة.

قد يعجبك ايضا