محمد علي محيي الدين
في بطحاء ساكنة، حيث يُولد الحلم على مهل بين نخيل الحلة وظلال فراتها، أبصر النور فنانٌ سيصير لاحقًا شاهدًا على تحوّلات المسرح العراقي، ومشاركًا فاعلًا في تشكيل وجدانه الحديث، ذلك هو حسن كاظم خضير عباس الخفاجي، الذي عرفه الوسط الثقافي والفني باسمٍ استحقه فعلًا لا ادعاءً: حسن الغبيني.

ولد حسن في الخامس عشر من شباط عام 1960، وراح يشق طريقه في الحياة بخطى الموهبة المبكرة والإرادة التي لا تكلّ. نهل من مدارس الحلة علومه الأولى، لكنه كان منذ البدء مشدودًا إلى عوالم الخشبة، إلى حيث تتجسد الأرواح وتتقاطع المصائر فوق منصّات الضوء.
التحق بأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1980، وتخرج في قسم الفنون المسرحية عام 1984، ثم عاد بعد حين ليكمل دراسته العليا، حاصلاً على شهادة الماجستير في الفنون المسرحية عام 2012، ليس كمجرد باحث، بل كمجربٍ عاش المسرح كتابةً وتمثيلًا وإخراجًا ونقدًا.
لم يكن المسرح عند الغبيني حالة عابرة، بل قدرًا اختاره ومضى فيه حتى تخوم الإبداع. كتب، أخرج، مثّل، وترك أثرًا لا يُمحى في الذاكرة المسرحية العراقية. كانت أعماله تُقدَّم في المهرجانات الفنية والتربوية، وتُكرّم بجوائز تكاد تعجز السيرة عن إحصائها. ومن بين تلك المحطات البارزة: “كل الذين أحبهم طيور”، “حلم خارج مدار الفصول”، “سيرة موجز وطن”، و”الرقص على أنغام زحل”، وجميعها أعمال مزجت بين جمالية الطرح وعمق الدلالة.
وفي كل عمل، كان الغبيني يتّبع نهجًا فنيًّا مميزًا، يقيم فيه الحوار بين الجمال والمعنى، بين التكنيك المسرحي والأسئلة الكبرى التي تؤرق الإنسان. فهو لا يركن إلى العرض من أجل العرض، بل ينشغل دائمًا بما بعد الستارة، بما تتركه في ذهن المتفرج من أثر، وفي قلبه من وجع.
لم يكن القلم عند الغبيني أقل حماسة من أدائه على الخشبة. أصدر مجموعات قصصية مثل “بقايا الميدان” و*”عدم أبيض”، وفيهما نلمس حسّه المسرحي حتى في اللغة السردية، حيث تنطق الشخصيات لا بالكلمات فقط، بل بالإيماءة والمفارقة والرمز. كما أصدر مجموعة من الدراسات والنصوص المسرحية، أبرزها “المسرح المدرسي ودوره في خلق الشخصية الإيجابية”، و”التفكيك وبراديغم العرض المسرحي”*، اللتان تعكسان انشغاله العميق بنقد الممارسة المسرحية وتطوير أدواتها داخل الفضاء التربوي.
ما من مهرجان مرّ على حسن الغبيني إلّا ترك فيه بصمة واضحة. حصل على عشرات الجوائز في الإخراج والتمثيل والنصوص، كان فيها الأول أو أحد الثلاثة الأوائل، لكنه ظلّ على تواضعه المعهود، لا يطلب المجد الشخصي بل يسعى إلى ترسيخ قيمة الفن في تربية الذائقة العامة وتهذيبها.
قال عنه كثيرون ممن عرفوه أو كتبوا عنه، إنه أحد الأصوات الصافية في مسرح العراق، وصنّفه الدكتور عبد الرضا عوض ضمن قائمة أدباء وكتاب بابل المعاصرين، كما ورد اسمه في أدلّة المخرجين المسرحيين العراقيين وموسوعات بابل الثقافية. وما ذلك إلا دليل على أن الرجل لم يكن مجرد فنان، بل رمزًا لصبر الفن وصدقه في بيئة كثيرًا ما نكصت عن دعم المبدعين.
ظل الغبيني لصيقًا بالحلة، مدينته الأثيرة، التي اختار أن تكون خشبته الدائمة. لم ينجرف وراء العواصم الكبرى، بل ظل يعمل بصمت في الورش المسرحية، في قاعات المدارس، في ساحات الفعاليات الشعبية، حيث ينمو الإبداع الحقيقي بعيدًا عن بهرجة الأضواء الزائفة.
هو الذي أخرج “الاختيار”، و”لست وحيدًا”، و”التيه”، و”صدقة”، وجعل من كل تلك النصوص نافذة يطل منها المتلقي على الإنسان العراقي المتخم بالألم والمملوء بالحلم معًا.
وإذا كانت الحياة قد صاغت لنا حسن الغبيني في هيئة فنان، فإننا نقرأه اليوم كأيقونة مسرحية ظلت وفيّة للناس وللخشبة وللمعنى. لم يُضِع بوصلته رغم الزحام، ولم يستسلم لغواية السكون. هو من أولئك القلائل الذين إذا صعدوا المسرح صدقوه، وإذا كتبوا صدّقناهم.
رحلة طويلة اختزلت نصف قرن من المسرح والتأليف والتجريب، لكنها لم تكن رحلة تعب، بل كانت درسًا في المثابرة والتمسك بالحلم.
سلامٌ على المسرحي الذي ظلّ يسأل الخشبة: “ما الذي تبقى من الإنسان؟”… ويجيبنا بكل ما أخرج ومثّل وكتب.