نوري جاسم
في البدء لم يكن سوى الصمت، لكن ذلك الصمت لم يكن خواءً، بل امتلاءً، أنينًا شفيفًا يتسلل من شقوق الغيب إلى مسام الوجدان، يهمس في المدى بأن ثمة سرًّا يمشي على استحياء في ممرات اللامرئي، كأنّ الروح كانت تسير بين ضوءٍ وظلّ، بين فرحٍ يشبه البكاء، وحزنٍ يبتسم في صمت الأكوان، لا شيء يُرى بوضوح، ومع ذلك كلّ شيء يُبصر ببصيرة لا تخطئ النداء، سفنٌ أبحرت دون شراع، تمخر عباب الماء نحو جهات لا تعرف الخرائط ولا تعبأ بالمسافات، قادها شوق لا يُفهم، لكنها تمضي، كما تمضي الأوردة في جسد الحقيقة الكبرى، ويقولون في ظاهرهم إن العالم مادة وحدود، ولكنهم لا يرون كيف تنبت الأجنحة في ليل العارفين، ولا كيف تذوب الكثافة في نار المحبة، بين أنين وأنين، يُولد لحنٌ لا يُعزف، يُصغى له فقط بقلبٍ خاشع، وتُفتح له أبواب من نور، فيها شلالات لا تسقي الأرض بل تروي الأرواح، وسهول ممتدة كأنها سجادة فردوس، وغابات من أشجار لا تُثمر إلا السلام، حيث تهمس أوراق الزيزفون بأسرار لم تُدوَّن، كل ما فيها يفيض بالرمزية، لا تُقال بل تُعاش، وكأن الحياة تتكلم بلغة أخرى لا تلتقطها الآذان بل التقوى والسكينة والتوق، وهناك في ممرات اللامرئي، تصير الجبال أوتادًا لتوازن النفس، وتثبت الكينونة كي لا تنفلت في رياح الفوضى، وهناك بركات لا توصف، تمطر على هيئة رؤى، تارة على شكل حلم، وتارة على شكل وجعٍ طيّب، يشبه قُبلة على جرحٍ لم يندمل لكنه صار بوابة لفهمٍ أعمق، لساحاتٍ واسعة من الإدراك، ليس فيها حائطٌ واحد يمنعك من العبور، بل كلّ شيء ينفتح على شيء، حتى الحزن نفسه يتحوّل إلى عتبة سعادة، سعادةٍ لا تصرخ، بل تبتسم في هدوء الكمال، وفي هذا الأفق، تندمج علوم الظاهر بالباطن كما يندمج النور باللون، لا تناقض بل تكامل، في كل ظاهر ظلّ لباطن، وفي كل باطن دافعٌ للظاهر، ومَن لا يرى الاثنين معًا، فلن يدرك المعنى الكليّ للحياة، هناك من يمشون على تراب الأرض وقلوبهم تعانق سماء السمو، وهناك من لا يتعدّون قشور العلم، فيتيهون في التفاصيل، ويُغلقون أبواب الرموز ظنًا أنها خرافة، بينما هي مفاتيح للمعنى الأعمق والقلوب في هذه الرحلة ليست واحدة، ثمة قلوب كالغابات، كثيفة عامرة، وثمة قلوب كالأودية، تحتضن المطر وتنقله إلى ما بعد وبعد، وهناك قلوب كشلالٍ لا يتوقف، ترسل الحياة لمن لا حياة فيه، الحب في هذا العالم العجيب ليس شعورًا عابرًا، بل هو الدفق الإلهيّ الذي يربط الكلّ بالكلّ، هو لُغة الله حين لا يتكلّم، وهو الماء الذي يسري في كلّ حيّ حتى وإن جفّت لغته، الحب الذي لا يعرف كيف يُبرر نفسه، لأنه أكبر من كلّ تبرير، يتدفق، يُربك، يُوجع، يُفرح، ثمّ يترُك أثرًا لا يُمحى في دروب مَن عبر، وهنا يُولد الإنسان مرارًا، ليس من رحم أمه فقط، بل من رحم التأمل والوجد والأنين، أنينٌ لا يشتكي، بل يُعلّم، ويهمس بأننا جميعًا نعيش في ممرات اللامرئي، نتحسس الطريق عبر خيوط من نور وظلال، نركض في ساحاتٍ لا تنتهي، نغفو على وسائد الشوق، ونصحو على نداءات لا نعرف مصدرها، لكننا نثق بأنها من هناك، من مقام العشق الأول، من حيث ابتدأ كل شيء، ولم ينتهِ بعد، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …