متابعة – التآخي
لم يجد المهندس محمد ماضي وهو صاحب محطة لتعبئة الغاز المنزلي في بلدة ميمس بجنوبي لبنان سبيلا سوى التوجه لاتخاذ سلسلة إجراءات وقائية في محاولة باتت ملحة لحماية محطته ومحتوياتها من مظاهر الاضطراب السائد في كثير من المناطق اللبنانية، بحسب المراقبين.
ويقول المهندس محمد ماضي الذي بدا في حالة إرتباك وخوف على محطته التي تقدر كلفتها بنحو 500 الف دولار أمريكي انه لجأ إلى بعض التدابير الوقائية من أجل حماية مصدر رزقه ، مشيرا إلى إنه عمل على إحاطة مبنى المحطة بسور مرتفع ركز فوقه أضواء كاشفة تعمل على نظام الطاقة الشمسية، فضلا عن تجهيزه بكاميرات مراقبة في الداخل والخارج كما زود الأبواب والنوافذ بعوائق وأقفال حديدية.
و يوضح “كانت هذه المنشأة قد تعرضت منذ نحو شهر لعملية سرقة طالت عشرات قوارير الغاز ومولد كهربائي وسيارة بيك أب وخزانات للمحروقات وكثير من المعدات والأدوات والمحتويات التي تقدر قيمتها بنحو 45 ألف دولار أمريكي” ، مردفا أن “الفلتان المخيف الناتج عن تردي الوضع الاقتصادي دفع بالمواطنين اللبنانيين وأصحاب المصالح التوجه إلى ما يمكن تسميته بالحماية الذاتية، التي انعكست إيجابا على عمل الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية خلال مكافحاتها وتصديها لهذه الظاهرة”.
وفي خضم هذا التفلت الحاصل نشطت الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية في التصدي ومواجهة وملاحقة وكشف واعتقال نسبة كبيرة من مافيات الجرائم والسرقات مما أدى إلى تراجعها بشكل ملحوظ في العام 2022، بحسب المراقبين؛ وكانت مديرية قوى الأمن الداخلي اللبنانية قد أصدرت في وقت سابق تقريرا أفاد بانخفاض نسبة الجريمة في عام 2022 وتراجعها عما كانت عليه خلال عام 2021.
ويجيء هذا التراجع برغم الأزمة الاقتصادية الحادة في لبنان والتي ترخي بثقلِها على الأوضاع المعيشية لقوى الأمن الداخلي فضلا عن تدني قيمة رواتبهم، والنّقص في أعداد الحاجات اللوجستية.
من جهتها أشارت الوكالة الدولية للمعلومات في آخر نشراتها الشهرية إلى أن شهر كانون الاول الماضي، شهد تحسنا في المؤشرات الأمنية في لبنان، وأوضحت أن القوى الأمنية شددت إجراءاتها وأن جهودها أثمرت الكثير من النجاحات بالتزامن مع إجراءات المواطنين الذين باتوا أكثر حذرا من خلال التوجه إلى “الحماية الذاتية”على الصعيد الفردي والعائلي وعلى مستوى الأحياء والتجمعات السكنية بشكل عام.
من جهته أشار صاحب شركة الكترونيات لوكالات الأنباء إلى أن مظاهر التفلت والتعديات دفعت بالكثير من اللبنانيين إلى اتخاذ ما أمكن من تدابير الحماية الألكترونية المتطورة بحيث تكثفت لدى الشركات المختصة بالحماية أعمال تركيب أجهزة الأنذار والمراقبة المتعددة والمتنوعة في المنازل والمؤسسات ومواقف السيارات والساحات العامة، مضيفا أن بين هذه الإجراءات تركيب أضواء كاشفة تعمل على الطاقة الشمسية وكاميرات مراقبة وأجهزة تحسس وبوابات حديدية ، في حين زودت الكثير من المنازل بعصى كهربائية وعبوات تحوي مواد مخدرة.
وقال إن ورشه العاملة في عدد من مناطق شرق وجنوب لبنان باتت عاجزة عن تأمين جميع الطلبات وأن الحجوزات لتركيب مثل هذه المعدات والأجهزة تمتد لعدة أشهر في حين أن كلفة تركيبها تتراوح بين 1500 و7 آلاف دولار أمريكي. وأضاف “تعمد الكثير من العائلات إلى بيع ما تحتفظ به من مقتنيات وذهب من أجل تجهيز منازلها بوسائل الحماية ليبقى همها في هذه الظروف حماية أنفسهم ومنازلهم وممتلكاتهم وأرزاقهم من غول التسيب”.
شابة ثلاثينية صاحبة محل عطورات ومركز تجميل نسائي في بلدة بر الياس بشرق لبنان، قالت “أخبئ في سيارتي عصا كهربائية صغيرة وأبقيها إلى جانبي خلال عملي وتلازمني بتنقلاتي بعدما تدربت على استعمالها”.
ويقول رجل يملك مطعما على الطريق الدولي بين مدينتي زحلة وبعلبك بشرق لبنان إنه لايحبذ استعمال السلاح لمواجهة أية مخاطر بل عمد لتركيب كاميرات مراقبة موصولة إلى هاتفه ليراقب مطعمه ليلا من الخارج و الداخل. وأضاف “عملت على تزويد الكاميرات بنظام إنذار صوتي مرتبط بهاتفي يعطي إشارة عند حدوث أية حركة مهما كانت، مما يمكنني عند اللزوم من الاتصال بالقوى الأمنية”.
وأكد شاب يقطن في بلدة مرجعيون بجنوب لبنان أنه في ظل عجز كثير من المواطنين عن تركيب أجهزة حماية لكلفتها المرتفعة فإنهم لجأوا إلى طرق أدنى كلفة ومنها تربية الكلاب وتركها حرة في باحات منازلهم .
يشار إلى أن كثيرا من البلديات استعانت بحراس ليليين مزودين بدراجات نارية، وأوكلت إليهم مهمة المراقبة كما يقول رئيس بلدة حاصبيا، الذي أشار إلى أن حراس البلدية تمكنوا خلال عدة أسابيع من كشف 12 حالة سرقة منازل ومطاعم وبساتين زيتون وصنوبر واعتقال مرتكبيها الذين سلموا مع المسروقات إلى الأجهزة الأمنية التي أحالتهم إلى القضاء المختص.
ويعاني لبنان منذ العام 2019 من توترات مستمرة وسط أزمات سياسية واقتصادية ومالية وصحية ومعيشية هي الأسوأ في تاريخه وأدت لارتفاع معدل الفقر إلى 82 % مع تفاقم البطالة وتآكل المداخيل وتراجع قدرات اللبنانيين الشرائية وسط ارتفاع غيرمسبوق في الأسعار، فضلا عن فرض المصارف لقيود مشددة وسقوف على سحب المودعين لأموالهم.