متابعة التآخي
الشعب الكوردي هو أحد أقدم شعوب الشرق، وعلى الرغم من الويلات التي تعرض لها عبر القرون، فقد بقــي متمسكاً بأرضه، متشبثاً بها وظل محافظاً على لغته على الرغم من صعوبة ذلك، ونظم الأشعار والملاحم والأساطير التي تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل، فلم تندثر، كما أنه لم يقـيض لهذا التراث الغني أن يدون ويسجل كما يجب إلى يومنا هذا! يورد الكاتب ” نريمان” في كتابه ” المكتبة الكوردية” الصادر في بغداد عام 1960 م أسمــاء أكــثر الكــتـــــب الكوردية المطبوعة إلى نهاية عام 1959م فلم تتعد /500 / كتاب مطبوع كما أن الدكتور عز الدين مصطفــــــى رسول في كتابه ((الواقعية في الأدب الكوردي )) يقول : إن الشعب الكوردي يفتقر بالطبع إلى التراث المدون ولا تزال مكتبته خالية من محتويات مكتبة شعب له مثل هذا التاريخ ، فلم يطبع إلى الآن باللغة الكوردية ، وفي شتـى المواضيع ومختلف الحجوم أكثر من ألف كتاب .( الكتاب الصادر عام 1963م) . وعلى الرغم من ذلك فلما دون من هذا التراث وهذا الأدب يدل دلالة أكيدة على انه لو أتيح لأدب هذا الشعــــــب وتراثه أن يرى النور لأثرى التراث والأدب العالميين، وأتحفهما بشعر جميل ونثر رفيع المستوى. وكان بإمكان الأنظمة والدول التي يعيش الكرد في ظلها أن تفعل ذلك، ولو انها قامت بذلك لسجل لها تـــاريـــخ الأدب العالمي هذه المساهمة الإنسانية النبيلة، لم تفعل ذلك عن سابق تصميم، ترى هل كان الأدب الفارســــي والتركي والعربي يخسر شيئاً؟ كل منصف له الجواب! أما ما دون من هذا التراث فقد تم بأبجديات مختلفة / العربية، اللاتينية، السافية / وتلك هي واحدة أخرى مــن مآسي الكورد.

وبالنسبة إلى تاريخ التدوين باللغة الكوردية، فمن الواضح انه لم يتم الاتفاق عليه بعد. حتى إن الدكتور عز الدين مصطفى رسول وهو من ابرز المهتمين بالتراث والأدب الكورديين يورد تاريخين متباعدين للتدوين باللغـة الكوردية، حيث يقول في كتابه السالف الذكر: إذا أننا نرى بأن أول اثر مدون يدل على عودة الكورد إلى لغتهــم، كلغة أدب، بعد هجرها في العصور الإسلامية الأولى، كان نتيجة لحاجة نضالية ملحة لمخاطبة الناس بلغتهم في انتفاضة كوردية أيام حكم العباسيين (المعتصم) (795 – 842م). ويقول أيضا معلقاً على ملــحمــة احمدي خاني ((مم وزين)) قد كتبت لأول مرة في تاريخ الشعب الكوردي باللغة الكوردية، ومن المعروف أن احمــــــــدي خاني عاش بين الفترة (1650- 1076م).

ويبقى من المفيد أن نستعرض بعض الأسماء التي لعبت دوراً مهماً في تطور الأدب الكوردي بالذات الشعر على مر العصــــور وأسهمت في إرساء أسسه.
بابا طاهر الهمداني
(935- 1010م) يعده الدكتور رسول أول شاعر له عمل شعري متكامل، يمكن أن يكون مادة لدراسة أدبية ويتساءل في قصائده عن أسباب الظلم، والتفاوت الاجتماعي حيث يقول:
إذا وصلت يداي إلى فلك الدهر سأسأل هناك، كيف هذا وكيف ذاك؟
أعطت واحدهم مئات النعم ومزجت للثاني قرص الشعير بالدم.
ملا جزيزي
عاش في القرن الثاني العشر الميلادي، يقف على رأس المدرسة الغزلية في الأدب الكوردي، يعده منيورسكي أقدم الشعراء الثمانية المعروفين من القدماء،
ويعد الجزيري أول ادخل الأصول والقواعد التقليدية الشعرية العربية والفارسية إلى الشعر الكوردي، حسب علاء الدين السجاوي في كتابه ((تاريخ الأدب الكوردي)) ويعد الدكتور معروف خزنه دار في مستوى معاصريه من أعلام الادب الفارسي.
كرس شعره للدفاع عن المظلومين، وبسبب مواقفه هذه سجن وعذب حيث يقول في قصيدة سجن فقي طيران:
رموا فقي طيران في السجن واخذوا قلمه وأوراقه
في السجن أسروه، وعذبوه ونالوا من قلبه بالأذى
من أهم أعماله: ((إشعار فقي طيران تحاور جدول ماء)) وملحمة ((شيخ صفان)) وغيرهما.
ملا باطي
(1417- 1495م) من أشهر أعماله، والتي يتم تداولها حتى الآن بين مختلف فئات المجتمع، قصته الشعرية ((بائع السلاسل)) وتروى بأشكال مختلفة، وهي لا تقل روعة وجمالاً عن (مم وزين) وقد ترجمها بصورة مختصرة إلى العربية الدكتور محمد عبدو البخاري.
احمدي خاني
(1650- 1706م) له الملحمة الشعرية ((مم وزين)) وقد ترجمت إلى العربية من قبل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وقال الأكاديمي اوربيلي عن خاني: ((عندما نتحدث عن الوطنية في الشعر من الضروري أن نقارن بين ثلاثة من شعراء الشرق العظماء، الفردوسي الإيراني، وروستافيلي الجيورجي، وخاني الكوردي)).

حاجي قادري كويي
(1815- 1892م): يعده الأديب العراقي محمد الملا عبد الكريم في كتابه ((حاجي قادري كويي- شاعر مرحلة جديدة من حياة الأمة الكوردية)): ((شاعر عهد نشوء القومية)) ودعا حاجي إلى ترك الحديث عن الحب والغرام وعيون الحبيبة، والنضال في سبيل حياة أفضل للكورد، واعتبر الشعر كمطرقة (كاوا) الحداد، تحطم الأعداء، كان يتقن العربية والفارسية والتركية إضافة إلى لغته الأم، ويؤمن بدور الشعوب في صنع مستقبلها، يقول:
مئة شاهنشاه وملك قد ماتوا
انظر فــ ((كوردنا)) لا يزالون كوردا الشعب باق وغيره فان
ولا يجوز أن ننسى في هذه العاجلة الشعراء الكبار : نالي (1800- 1856) ، سالم (1805- 1869) كوردي ( 1812- 1850) وكذلك الشاعر الضرير ملا حمدون ( 1853- 1918)و من الشعراء والأدباء المعاصرين يمكن ذكر :
بيره ميرد: (1876- 1950) درس الحقوق في استانبول، ولكنه تفرغ للأدب واشرف على تحرير وإصدار المجلة الأسبوعية (زين”الحياة”) منذ 1939 إلى انقلاب فبراير / شباط 1963م. بيره ميرد هو صاحب القصيدة الرائعة نوروز، والتي يقول فيها: هذا اليوم، يوم العام الجديد وقد حل نوروز وهو عيد كوردي قديم، فأهلاً بحلوله.
فائق بيكس: (1905- 1948م) ولد في محافظة السليمانية ودرس في مدارسها، تشرد وذاق الويلات ودخل السجون، وأخيرا مارس التدريس إلى نهاية حياته، ويقول في قصيدته الوطن:
آه.. يا أيها الوطن، فتنت بك بجنون
وان كنت في ظلمة الليل، وقدماي في القيود، لكنني أتذكر هامتك
فلا تظنني أنساك
لا السجون ولا المعارك تجبرني على بيعك
رثاء الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري بقوله:
أخي بيكس يا سراجاً خبا ويا كوكبا في دجى يفتقد
بلا أحد، يا سنا امة تنادت الى جمع شمل بدد
بيكس تعني بالكوردية ((وحيد)) ولا أحد يقصد به الشاعر بيكس.
عثمان صبري: كتب الشعر والدراسة الأدبية والسياسة، وله دراسة متميزة عن الديانة اليزيدية، وقصائد متناثرة كثيرة، له قصيدة طويلة بعنوان (العاصفة) توفي في سوريا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.
جكر خوين: (1903- 1985م) ترك العديد من الدواوين الشعرية من أبرزها ((ثورة الحرية، من انأ، شفق، روناك)).
مارس التدريس في جامعة بغداد – قسم الأدب الكوردي، له رواية ((رشو داري)) وكتاب ((تاريخ كوردستان)).
عبدا لله كوران: من مواليد حلبجة الشهيرة (1904- 1962) كتب الشعر الوطني والاجتماعي، استلم تحرير مجلة ((زين)) بعد بيره ميرد، تتركز أشعاره على القضايا الوطنية و الاجتماعية والأخوة العربية – الكوردية.
وبعد، فهذه إطلالة سريعة على الأدب الكوردي – الشعر خاصة – لم نستعرض العديد من الأسماء المهمة والبارزة قديماً وحديثاً، كان يجب الإشارة إليها، ولعله من الإجحاف حتى في هذه الإطالة عدم ذكر أسماء معينة لامعة في سماء الأدب الكوردي المعاصر، مثل الشاعر المبدع دلدار صاحب قصيدة ((أيها العدو)) الشهيرة، والشاعر المتألق جداً شيركو بيكس نجل الشاعر فائق بيكس المشار إليه في السابق. وله مجموعتان شعريتان مترجمتان إلى العربية. والأدباء: إبراهيم أحمد، جمال نبز، معروف برزنجي ولطيف هلمت وغيرهم كثير…