التحول الديمقراطي في  العراق 

 

د. ماجد احمد الزاملي

 

الجزء الثاني

يستلزم استمرار وازدهار الديمُقراطية بعض القيم الثقافية المرتبطة بها، مثل المسئولية الفردية، والمشاركة المجتمعية، والتسامح، بل أن استمرار الديمقراطية يستلزم الاعتقاد بأنها النظام الأمثل من قبل النخبة والعامة على حد سواء. وهو ما يرتبط برسوخ قيم الديموقراطية وإجراءاتها باعتبارها البديل الوحيد المتاح، وتفعيل عمل المؤسسات الديموقراطية، وتتعدد مؤشرات هذه المرحلة لكن أكثرها شيوعا تكرر التداول السلمي للسلطة في إطار المؤسسات والترتيبات الانتخابية القائمة على الحرية والنزاهة. وتشهد هذه المراحل صراعات عديدة بين من استفادوا من مناصب فى ظل النظام السلطوى لكنهم اقتنعوا بضرورة احداث تعديلات عليه لاعادة بناء شرعيته بين الناس ، وبين من يرفضون احداث اى تحول ديمقراطى ويدافعون عن بقاء النظام السلطوى، ويحدث هذا الصراع فى ظل الانقسامات داخل النظام القائم، وفى ظل ضغوط دولية لتَبني التحول الديمقراطى مقابل تقديم المساعدة الدولية.

إن فقدان استقلالية عمل المؤسسات الرسمية وانعدام التوازن بينها والافتقار إلى صيغ للعمل السياسي بينها وبين المؤسسات غير الرسمية ووضع قنوات الاتصال بين النظام السياسي من جهة والمجتمع من جهة أخرى، جميع هذه العوامل تقود إلى هيمنة المؤسسة التنفيذية فتكون هذه الأخيرة هي المسؤولة عن عمليات رسم وتنفيذ السياسات العامة فتقود إلى فشل السياسات العامة في تحقيق الأهداف العامة، وما يتحقق من سياسات وأهداف لا يمثل سوى مطالب ومصالح فئة معينة في المجتمع هي أكثر ارتباطا بالنخبة الحاكمة، لذلك تكون السياسات العامة في ظل تلك العلاقة سياسات نخبة فئوية، ولا تتحقق ألا في إطار ضيق . ويمكن الانطلاق من فرضية ان هناك دور مباشر للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية للنظام السياسي في صنع السياسات العامة، وان هذا الدور متباين في قوته وفاعليته من مؤسسة إلى أخرى داخل النظام السياسي نفسه ونوع العلاقة بينهما، من جهة،ومن نظا م سياسي إلى أخر من جهة أخرى ويبرز دور جماعات الضغط على الصعيد السياسي بقيامها بالدفاع عن مصالح أفرادها وعن الأفكار والمبادئ التي يؤمنون بها، وهي تعمل على توجيه سياسة الدولة في الاتجاه الذي يُحدد هذه المصالح والأفكار، فهدفها التأثير في السلطة السياسية من اجل تحقيق المكاسب. وتمارس جماعات الضغط دورها في السياسات العامة من خلال التأثير في عملية رسم السياسات العامة وعلى تنفيذ تلك السياسات والرقابة عليها، ولها في ذلك وسائل عدة من خلال دورها في التأثير على المؤسسات الرسمية في النظام السياسي مثل السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية والإدارية. الإصلاح الدستوري ، و مطلب الانتقال إلى أنظمة حكم ديمقراطي حقيقي في الدول إنما هو مطلب جماهيري ملح ، يتطلب من السلطة شجاعة و خبرة في معالجة أولويات الشارع ،كما يتطلب من الأحزاب السياسية و تنظيمات المجتمع المدني إعادة النظر في مدى استقطابها لاهتمامات و تطلعات مختلف فئات المجتمع. فإذا كان التنافس بين فئات المجتمع ظاهرة صحية بوجه عام، فإن غياب الديمقراطية ، و تمكن فئة معينة من فرض وجهة نظرها لعوامل تتعلق بقدرتها على التأثير بمركزها المالي أونفوذها السياسي، من شأنه أن يفصل السلطتين التنفيذية و التشريعية عن اهتمامات المواطنين، و يزعزع الثقة بين الحاكم و المحكوم.

 

بالنسبة للإحزاب  فالحزب الديمقراطي يحتاج إلى أن ينتهج الديمقراطية والشفافية داخل الحزب عن طريق إجراء انتخابات دورية تُمَكِّن الأعضاء من اختيار قادتهم على المستويين المركزي و الوطني وعلى مستوى المحافظات بكل حرية واستقلالية وكذلك ينبغي أن يتخذ اختيار القياديين المرشحين لمناصب عامة طابعا تشاركيا أكثر لجهة إشراك أعضاء الحزب في هذه العملية . أن ضعف الممارسة الديمقراطية الداخلية للأحزاب السياسية يؤدي إلى إفراغ العملية الديمقراطية من محتواها وبالأخص في مسألة اختيار القيادات الحزبية , فلا يمكن للأحزاب السياسية أن تؤدي دورها في ترسيخ المبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة إذا كانت لا تؤمن بهذه المبادئ ولا تعمل على تجسيدها. و كذلك دور الأحزاب في تنفيذ السياسة العامة من خلال مشاركتها في السلطة التنفيذية و حجم هذه المشاركة. أضافة الى ذلك معرفة دور الأحزاب في عملية تقييم السياسة العامة، لأن التقييم الفعَّال و الموضوعي و الحقيقي يُعدّ أساس نجاح السياسة العامة في تحقيق أهدافها. في الدول المتخلفة وغير المستقرة كالعراق، ففي العراق صدرت العديد من القواعد القانونية المنظمة للعمل الحزبي ومنها القانون رقم (30) لسنة 1991 الذي أورد نصوصاً تتعلق بتمويل الأحزاب حيث ورد في المادة الثامنة نصاً يفيد بضرورة أن يتضمن النظام الداخلي للحزب مصادر تمويل الحزب، وألزمت المادة الثامنة عشر الحزب بعدم قبول أي أموال نقدية أو عينية إلا بموافقة مجلس الوزراء وفي حال مخالفة ذلك يعاقب المخالف بالسجن المؤبد ومصادرة الأموال، وتضمن المادة الثالثة والعشرون أهم مصادر تمويل الأحزاب والتي تمثلت بـ(الاشتراكات والتبرعات، عوائد الاستثمارات، عوائد صحافة الحزب ومطبوعاته، منحة الدولة السنوية)، ووضعت المادة الرابعة والعشرون حكماً مقتضاه (يقرر رئيس الجمهورية مقدار منحة الدولة السنوية في ضوء عدد منتمي الحزب وممثليه في المجلس الوطني ودوره في النضال الوطني) وبهذا نجد ان منحة الدولة للأحزاب في العراق أقرت منذ خمس وعشرين سنة ولا تعود إلى القوانين التي أقرت بعد التغيير السياسي العام 2003 إلا انها كانت معطلة واقعياً في تلك الحقبة من الزمن ووضعت لها شروط مجحفة تمثلت بـ(عدد المنتمين إليها ما يحتم تأسيس أحزاب جماهيرية في ظل نظام دكتاتوري فمن يقبل المخاطرة بنفسه ومستقبله لينتمي إلى حزب غير حزب السلطة، والشرط الثاني عدد أعضاء الحزب الفائزين بعضوية المجلس الوطني وبعيداً عن كون المجلس الوطني كان مجرد ستار تقف وراءه غايات فان انتخاب شخص غير مرشح من حزب السلطة يعرض الناخب إلى تهمة الخيانة والعمالة لدول الجوار والمحصلة النهائية ان يبقى مطارداً لما تبقى من عمره).

قد يعجبك ايضا