صلاح عمران ، بين الأرشفة والسياحة …

 

هاتف بشبوش

 

حين نقرأ صلاح عمران في كتابيه( أصوات خضر في ذاكرة القاريء) وكتابه الأخر( مرسم للسندباد وليالي لحكايات شهرزاد) نجد ملامسة الروح الإبداعية التي جعلها بمثابة التحليق في وفاء الصداقة وأرشفة كل مايكتبه المبدعون خوفا من التشتت والضياع ، فهو جعل كل ماينشر في الجرائد والمجلات وغيرها في كتاب واحد كي يستطيع المرء أن يقرأ للعديد من المبدعين على إحتلاف تنوعهم في الشعر والرواية والفن ، ويستطيع القاريْ الإنتقال من مبدع الى آخر في كتاب واحد بدلا من البحث عن المبدع الفلاني في الميديا وصفحات التواصل . صلاح عمران استطاع الحفاظ والمضي بسفينة الابداع الهائلة التي إبحرت بالمبدعين في مختلف إبداعاتهم عن حب الأوطان والأدب على إختلاف أجناسه ، فكلنا جسيمات كونية ضئيلة وهذا يذكرني بالقول المأثور ( أتحسب نفسك جرما صغيرا وفيك انطوى العالم الأكبر) فهنا ارى نفسي بعيدا عن هذا القول ولامعنى له لأننا أجساد هاوية خاوية عبارة عن كتلة من اللحم من الممكن ان يدهسها حمار في شارع وينتهي الشعور والاحساس والأفواه التي ياما وياما تشبعت بالقيل والقال وينتهي ايضا وجيب القلب الذي دق في ساعات الهسيس بينما الطرفان متشابكان فوق السرير عراة لايفصلهم سوى الجلود الملساء التي لاترتوي الا باحتكاك طرفي معادلة الجنس . لكن جاء صلاح ووضع خلودا لكل هذه الشخوص ووضعهم في أرشفة مذهلة لايمكن لها أن تنتهي مهما أمتدت الدهور . كتب صلاح بكل الاناقة الادبية التي من شأنها أن تجعل الأقلام سادرة عبر الكتب بل جعل حيوات المبدعين في السطور وبإمكان المرء أن يتخذ أولئك المبدعين كأصدقاء فالإنسان هو الأثمن في الأكوان المرئية وغير المرئيه على حد زعم عالم الفضاء الأمريكي (كارل إدوارد ساغان) الذي قال : وأنا أنظر من الكوكب الذي حطت به أقدامي وجدت الارض بما فيها من بحار ومحيطات وبشرية هائلة وجدتها عبارة عن نقطة زرقاء شاحبة ضئيلة جدا ، ولكني لم أجد أفضل من الإنسان في جميع هذه الكواكب الفارغة ، ولذلك على المرء أن يتوجه لحب أخيه الإنسان ، وعليه أن يتعلم شغف القراءة ففي الكتاب يجد اصدقاءه الذين يستطيع محاورتهم ومحاكاتهم في لحظات الفراغ أو الإنطواء الذاتي أو لمعرفة ثقافات هذا الكائن الإنساني الموزّع تحت أكثر من غيمة ونجم . فهكذا هو ثمن الكتاب الذي سهر عليه وجمعه وصقله وإختصره المؤرشف الجميل صلاح عمران . الكتاب يعلمنا فكرة رائعة وهي : أننا حينما كنا صغارا فكنا أبرياء ولما كبرنا تلوّثنا كما الكتب الموضوعة فوق رفوف المكاتب ، ولذلك قد يتلوّث المرء بتقادم السنين من مطحنة الحياة التي لاترحم بكل جوانبها الفكرية والإقتصادية والإجتماعية لكنه بإمكانه أن ينفض الغبار عن روحه كما ينفض الغبار عن تلك الكتب لتبدو نظيفة مثلما كانت فوق رفوفها .

أما فيما يخص كتابه ( جمرات نحو الجمال ) فهو من أدب السيرة والرحلات على غرار الرحالة الكثيرون الذين قرأنا عنهم مثل إبن بطوطة . فهو هنا قد دخل صميم حياة النفس البشرية وماتريده من تغيير في عالمها الثابت(أوطانها) فهذا الكائن البشري جبل على أن يرى ماوراء الأكمة وماوراء المحيطات من مجهول وما مثالتا على ذلك البحار (كربيستوفر كولمبس ) مكتشف قارة الهنود الحمر فهو قد ذهب بسفينته لإستطلاع مايخفيه هذا الكون الشاسع أي أنه ذهب بجولة سياحية إستكشافية هائلة تحفها المخاطر لكنه من جراء هذه السياحة الإبحارية إكتشف مالايصدق وهي القارة الأمريكية مع سكانها الأصليين ( الهنود الحمر) أولئك الذين إنتهوا تحت طغيان أمريكا ولم نجد لهم أثرا بعد أثر عظيم . ولم يتوقف البشر عن مهنة الإستكشاف والسياحة في الأرض فراح يريد أن يرى مافي الأكوان والمجرات الأخرى . ولذلك قال أحد علماء الفضاء (نريد بناء مستعمرات على القمر والمريخ وأقمار الكواكب الأخرى ، نريد أن نجعل السياحة الفضائية والتجارة أمرًا روتينيًا) وسيحصل هذا في الزمن الآتي حتما .

اليوم البشرية تحاول إيجاد نموذج سياحي يسمح للمجتمعات بالازدهار بينما تزدهر الأعمال وتجعلها جزءً كبيراً من إقتصاد االبلد . وأيضا يقول ( يوخن زيتر) : قضاء الإجازة بجانب مياه الشاطئ الجميلة والجمال الذي يحيط بها هو اكتشاف الهدوء من الداخل . أن تكون سائحًا هو يعني الهروب وقتيا من المساءلة ، والأخطاء والإخفاقات والعمل الشاق والمضني الذي ينهك نفسيتك التي لابد لها من الراحة والإستراحة . يقول (هنري نيلر) إذا كنا دائمًا نصل ونغادر ، فمن الصحيح أيضًا أننا راسخون إلى الأبد . ليست وجهة المرء أبدًا مكانًا ، بل طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء. أضف الى ذلك تتمثل إحدى مزايا السياحة في أن الناس يبدؤون في أخذ أنفسهم بجدية أكبر ويعتقدون أن ثقافتهم تستحق شيئًا ما ، فبدلاً من الإستخفاف بالثقافة المحلية ، يقومون بإضفاء الحيوية عليها.

 

شاعر وناقد عراقي

قد يعجبك ايضا