بشرى جاسم محمد
عرف العالم مصطلح النوع الاجتماعي (الجندر) من خلال مؤتمرات الأمم المتحدة التي ناقشت قضايا المرأة ودورها الاجتماعي من خلال النوع، ولا يزال هذا المصطلح يثير الكثير من المشكلات في ترجمته وتعريبه؛ لأنه نشأ في مجتمع له ثقافته ولغته ومستواه الحضاري، فقد ترك مفهوما مغايرا عند انتقاله إلى المجتمعات الأخرى، وكان أول من أعلنت عن النوع الاجتماعي(هيئة كير)بالولايات المتحدة الأمريكية وقصدت به المساواة في النوع الاجتماعي والتنوع للمرة الأولى في عام 1998م، وقد حققت تقدما ملحوظا في المجالات التي تؤثر على المشروعات والجهات المشاركة معها، وهو ما جعل الفكرة تخرج إلى العالمية بل وتجد من يؤيدها، ومن هذه المجتمعات العالم العربي الذي استقبل الفكرة في طبقات معينة علوية من المجتمع، غير أن هناك مشاكل و عقبات تعترض تطبيقه في المجتمعات العربية والإسلامية.
كان للنظرة النسوية رأي مختلف تجاه النوع الاجتماعي و وجه الكثير من النقد للنوع الاجتماعي، وكذلك النظرة الدينية وخاصة الإسلامية الذي ترى فيه تعارض مع معتقداتها الدينية، ومع تراثها الموروث، وعاداتها وتقاليدها المجتمعية المتجذرة.
1.النوع الاجتماعي (الجندر) من وجهة نظر نسوية:
لتقبل البعض مفهوم النوع الاجتماعي والتفاعل معه كمسلمة من المسلمات، فأن النظريات النسوية نفسها كانت لها رؤيتها تجاه قضايا المساواة والعمل؛ فالنسوية المحافظة أو التقليدية، كانت ترى أن المكان الطبيعي للنساء هو البيت ولسن بحاجة إلى أن يثبتن أنفسهن خارج البيت في العمل لأن الرجال مكانهم الطبيعي العمل خارج المنزل، بينما كانت النظرة النسوية المتحررة أو الليبرالية، تجاه نفس القضايا ترى أن الأدوار النوع الاجتماعي(الجندر)، يحققها كل رجل وامرأة داخل كل أسرة بما يعود عليهم بالراحة والنفع، على أن الرجل والمرأة يجب أن لا يقتنعا بأدوارهما دائما، وكانت النظرة النسوية المتطرفة أو الراديكالية، تجاه ذات القضايا ترى أن الرجال قد احتكروا سوق العمل ليمارسوا الاضطهاد ضد المرأة اقتصادياً ، ومادياً وجنسياً، ولهذا فهم يعملون على قهر النساء بالعمل في البيت،في حين اقتصرت النظرة النسوية الاشتراكية، تجاه تلك القضايا على أن الرأسمالية تجعل من المرأة معتمدة على الرجل في النفقة لضمان بقاء الزواج التقليدي، ولن يتحقق ذلك الا بإطلاق المساواة بين الرجل والمرأة، واقتصرت النظرة النسوية الثقافية، على أن النساء يجب أن يكون مكانهن في المواقع الثقافية لشيوع السلام.
2.النوع الاجتماعي (الجندر) من وجهة نظر دينية:
لقد وجد النوع الاجتماعي (الجندر) الكثير من المعارضة في إطار الفكر الإسلامي بشكل خاص، وقد تناول الرد عليه مجموعة من الكتاب والعلماء والباحثين، وقد ارتكز من يخالفونهم في نفس الرؤية ويطالبون بالتفرقة بين الذكر والأنثى طبقا للأمور التي ساوى وفرق فيها الإسلام بين الذكر والأنثى، ومنها: المساواة بين الذكر والأنثى في الإسلام في القيمة الإنسانية (الوجودية)، إذ خلقهما معا من طينه واحدة ومن معين واحد، بما يعني أنه لا فرق بينهما لا في أصلهما وفطرتهما، ولا في أهميتهما، وجعل الاختلاف بينهما مبنيا على التكامل والانسجام .
وساوى الإسلام بين الذكر والأنثى في المسؤولية الخاصة والعامة وفي الثواب والعقاب وفي العقوبات لا المفاضلة، وساوى بينهما في الحقوق المدنية سواء في: (التملك والتعاقد وحق البيع والشراء والرهينة، والهبة، و توكيل الغير أو الضمانه) فللمرأة شخصيتها الكاملة مثل الرجل في الإسلام لها حق التصرف في حالها قبل الزواج وبعده، وحقها في إبداء الرأي، وحقها في التعلم والتعليم، وحق الانفصال عن زوجها، ولكن فرق بينهما في
كيفية وأسلوب هذا الانفصال، كما يفرق بينهما في أمور أخرى؛ فليس الذكر كالأنثى في بعض التكاليف التعبدية كما لبس كل ما يصلح ويلائم طبيعة المرأة يلائم طبيعة الرجل في كل مجالات الحياة وهي الاختلافات الطبيعية القائمة بينهما التي تهدف في مراعاة المرأة وصيانتها والتخفيف عنها ، رحمة بها وتقديراً لظروفها.
ليس الذكر كالأنثى في بعض الأحكام الشرعية، ومنها: عورتها التي تخالف عورة الرجل؛ فبدنها كله عورة أمام الأجانب إلاّ وجهها وكفيها، كما لا تجب عليها صلاة الجماعة، ولا تسافر إلاّ مع زوجها أو محرم، ولا تقدم على الرجال في الحضانة والنفقة، كما يسقط الجهاد عنها، وأعفاها من النفقة وجعل الرجل هو المكلف بذلك، ولو كانت متزوجة فنفقتها واجبة على زوجها ، وإن كانت غير متزوجة أو في مدة العدة؛ فنفقتها واجبة على أوليائها من أهلها ووالديها.
ختاماً، وبالرغم من توجيه الكثير من النقاد للنوع الاجتماعي من خلال بعض النظرات النسوية ومن خلال النظرة الدينية وخاصة الإسلامية التي فندته وفككته، فقد احرز النوع الاجتماعي (الجندر) بعض النجاح والتقدم في بعض دول العالم العربي من خلال إندماج النوع الاجتماعي للمرأة في التنمية والتنمية المستدامة، ومن خلال تمرير مفهوم الأدوار الجندرية في محاولة لإعادة ترتيب الواقع المجتمعي طبقا لهذه الرؤية، لاسيما من خلال إطلاق العديد من الجامعات العربية سلسلة من الدراسات التي تؤصل للفكر الجندري في المجتمع وهو ما لاقى ترويجا، لأن بعض الجامعات العربية طرحته بالمشاركة مع بعض الجامعات الأوروبية ومن خلال الابتعاث والمنح الداعمة لهذا المجال البحثي الجديد الذي برز في أوروبا.