القلم والسيف .. المعادلة الصعبة

 

د . صباح ايليا القس

 

 

السيـــــف أصــدق أنبــــاء مـــــن الكـــتب            فــــي حـــدِّه الحــــدُّ بيـــن الجــــد واللعـــب

هذا البيت للشاعر أبي تمام .

كــذا قضـــى الله للاقـــــلام مـُـــــذ بُريـَــــتْ         أن السيــــوف لهــــا مُــــــــذْ أُرهفـــتْ خـــدمُ

هذا البيت للشاعر ابن الرومي .

لو استطلعنا التاريخ لوجدنا ان لكل من هذا البيتين مؤيدون ومعارضون فهناك من يلتزم جانب السيف وهناك من يلتزم جانب القلم ولكل واحد منهم آراؤه ومسوغاته التي يدافع عنها ويجعلها حجة على الآخر ..

الناس وضعوا السيف والقلم في باب المفاضلة إذ هما من الثنائيات التي نعرفها في الثقافة العربية وهي ثنائيات مبنية على التضاد التي لا يستطيع اي منهما الخلاص من الثاني بحيث لا يمكن أن نعرف الاول الا بوجود الوجه الثاني من المعادلة ومن المؤكد أن الحياة لا تستقيم الا بارتباط هذين المتضادين المترافقين اذا شئنا فهما رديفان واذا شئنا فهما خصمان واذا تعمقنا في البحث وجدنا ان هذين المتضادين هما خصمان واذا تعمقنا في البحث وجدنا هذين المتضادين هما نبضان تقوم عليهما الحياة فكيف يستقيم العيش بالليل من دون النهار وكيف تستقيم الارض من دون السماء والمياه والحر والبرد والسائل والصلب والخشونة والنعومة وعلى مثل هذه الثنائيات وهي لا حصر لها بحسب الشعوب والقوميات والاديان فهناك ما هو متفق عليه مع خصوصيات مجتمعية يعرفها الناس وينكرها آخرون .

وهذه الثنائيات جميعها أدلة منطقية يقبلها العقل وهي من الحقائق التي لا تقبل النقض والاستبدال فضلا عن انها من الوقائع التي يعيشها المجتمع ولكن ربما تخرج هذه الحقائق والوقائع عن ناموسها الانساني الى صياغات زائفة تخيب عندها الامال ويتحطم من أجلها الطموح عندما تخضع الى احكام التأويل بحجة المنافع والنتائج الملموسة على الارض وليس ضمن الخيالات الافتراضية التي تتعارض مع الصفات الحسنة المقبولة عمليا وأخلاقيا بحسب طبيعة المجتمع الذي يقبل هذا ويرفض ذاك في حين نجد مجتمعا آخر لا يعنيه الامران .

على مر التاريخ نجد أن السيف رديف الحرب والدم والقتال اذ لا يكاد يذكر السيف إلا وصورة طبول الحرب تتراقص امام الاخيلة وحركة الفرسان ولمعان السيوف والدماء والقتلى .. فالحرب اي الموت فكلا طرفي النزاع خاسر لا محالة وإن كان النصر حليفه .. هذا من جانب اما افتراض أن السيف هو الفيصل بين الحق والباطل .

فهذا شيء آخر اذ بوساطته يفرض القانون ويتحقق العدل وينام المواطن باطمئنان على حاله وعياله وهو السلطة القادرة على الدفاع والحماية وقمع الاطماع والشعور بالسيادة والمكانة السامية بين الامم .

اما القلم الذي أعلى شأنه ابن الرومي فهو يعني العقل والنظام والتطور والثقافة فهو الحياة الشريفة الابدية الواقعية , ولا بد من التذكير بأن القلم هو من نقل لنا بل وحفظ لنا التاريخ فما نزال نتباهى بمسلة حمورابي والرقوق المسمارية التي حفظت لنا تاريخ وادي الرافدين وما نزال نتفاخر بهذا التاريخ منذ زمن السومريين والبابليين والآشوريين أليس هذا كله حمله لنا القلم وسجل التاريخ الانساني مع العلم اننا لا نزال نحتكم الى بعض قوانين حمورابي وما يزال القلم يكتب ويوثق ويبقى السيف منفذا لما يقوله القلم .

وليس هناك من يقول بأفضلية أحدهما على الآخر فالقانون يتطلب من ينفذه على ارض الواقع وهذه مهمة السيف والقوة ممثلة بالشرطة .. اما اذا انفرد اي منهما وانفرط عقد الشراكة بينهما لا سيما اذا انفرد السيف وقلل من شأن القلم سادت ذلك البلد الفوضى والخراب والتسلط وابتعد الناس عن التعامل العقلاني المؤدب وصار الناس يأكل بعضهم بعضا على حساب ( القوي يأكل الضعيف ) وتتسيد لغة الغابة ويخرج الانسان من انسانيته الى فضاءات العنف والموت والدمار , وفي النهاية لا بد من الرجوع الى الشراكة المبنية على احترام القلم الذي سيعتمد على السيف في فرض ارادة العقل وردع الغوغاء اذ هما عنصران متلازمان حقا وحقيقة .

 

قد يعجبك ايضا