انس الشيخ مظهر
ليست الحروب كلها تُحسم بالطائرات الأحدث ولا بمن يملك القدرة الأكبر على تدمير بنية خصمه العسكرية، فثمة حرب أخرى تدور خارج ساحات القصف، يُقاس فيها النصر بمن يحتمل أطول ويُحسن شراء الوقت وينتظر أن ينقلب المزاج السياسي عند الطرف المقابل، وهذه على الأرجح المعادلة التي راهنت عليها طهران منذ اللحظة الأولى؛ فبينما انشغل خصومها بإحصاء الأهداف المدمَّرة، كان حائك السجاد الإيراني يعقد خيوط لوحة أخرى، سياسية واستراتيجية، تتفوق نتائجها على أي حصيلة ميدانية.
والدليل الأوضح على نجاح هذا الرهان أن النظام الإيراني استطاع أن يطيل الأزمة أشهراً طويلة كان يُفترض أن تنهكه فيها الضربات والعزلة والضغوط الاقتصادية، فلم تنهر مؤسساته ولم تتصدع قيادته ولم يجد خصومه الشرخ الداخلي الذي علّقوا عليه آمالهم، ومن اجتاز هذه المسافة كلها لن يعجزه الشهران المتبقيان، وهما أضيق ما سيواجهه من وقت وأقل ما سيتطلبه من جهد، لأن الخصم هذه المرة هو عقارب الساعة السياسية لا حجم الترسانة , فكل أسبوع يمضي دون أن يحقق ترامب نصراً يستطيع إعلانه يقرّب إيران من خط النهاية ويبعد واشنطن عن الحسم الذي تحتاجه.
فالمعضلة الأمريكية ليست في القدرة على مواصلة القصف، بل في أن الزمن “وهو الذخيرة الأثمن في هذه الحرب” مورد لا يملكه من يحكم بمواعيد انتخابية وتوازنات برلمانية متحركة , فإذا انتقلت السيطرة على مجلسي الكونغرس والشيوخ إلى الديمقراطيين في الثالث من يناير، فلن تُسلب من ترامب صلاحياته الدستورية في قيادة العمليات، لكن خصومه سيحصلون على ما هو أخطر من حق الاعتراض، أي سلطة الاستدعاء والتحقيق وربط التمويل بالأهداف المعلنة، وهي أدوات تحوّل كل أسبوع إضافي من القتال إلى ملف يُطالَب الرئيس بتبريره علناً، وتجعل غموض نهاية الحرب عبئاً سياسياً يكبر كلما طال الصمت عن تعريف النصر. وإيران لا تحتاج إلى أكثر من أن تبقى واقفة حتى تُغلق هذه الأبواب على الإدارة الأمريكية واحداً بعد آخر.
وفي إسرائيل يتقاطع هذا الموعد مع موعد آخر لا يقل خطورة، هو انتخاب رئيس وزراء جديد؛ فخلافة نتنياهو بغادي آيزنكوت، “إن تحققت” تتجاوز تبديل الوجوه إلى فتح ثغرة في جدار الحرب نفسه، لأن الرجل العسكري الذي لا يُنسب إليه قرار الدخول في هذه المواجهة يملك ما لم يملكه سلفه، وهو أن يتمسك بعداء إسرائيل الثابت لإيران وبحقها في ردع برنامجها النووي، ثم يعلن في اللحظة ذاتها أن هذه الحرب بالذات استنفدت غايتها، ويقدّم الخروج منها على أنه تصحيح لمسار لا اعتراف بإخفاق، فيحمّل سلفه كلفة الاستنزاف ويحتفظ لنفسه بصورة الحارس الصارم للأمن القومي. فالدول قد تثبت على عدائها سنين وتغيّر أدواتها في أسابيع، وقد يكفي تبدّل الجالس في المكتب ليجد الجميع مخرجاً كان مستحيلاً قبل يوم واحد.
وحين يلتقي هذان المساران “تحوّل في واشنطن يقيّد القرار وتحوّل في تل أبيب يمنح أصحابه ذريعة التراجع” فإن طهران لا تكون أمام مواجهة أشد بل أمام نافذة تنفتح، وقد تخرج منها بأقل الخسائر الممكنة لا لأنها انتصرت في الميدان، بل لأن خصميها سيكونان منشغلين بحسابات الداخل أكثر من انشغالهما بإتمام ما بدآه , فتجتمع في ساعة واحدة رقابة كونغرس خصم وقيادة إسرائيلية جديدة تبحث عن بداية نظيفة، وهي ظروف لم تكن لتتهيأ لإيران لو كانت الحرب قد حُسمت في أسابيعها الأولى.
وفي هذا كله تتبدى مفارقة بنيوية بين طرفين لا يملكان الطبيعة السياسية نفسها , فالأنظمة الديمقراطية “بتعدد مراكز قرارها ورقابة برلماناتها وتداول سلطتها” تحاسب حكامها وتصحح أخطاءها، لكنها تدفع ثمن ذلك صعوبةً في الحفاظ على استراتيجية طويلة عابرة للحكومات، بينما يحتفظ النظام المركزي الذي تتجمع خيوطه في يد المرشد بقدرة على المضي في الاتجاه ذاته مهما تبدلت الظروف، غير أن هذه القدرة سلاح ذو حدين، إذ تربط مصير الدولة بتقدير رجل واحد وتحرمها من آليات المراجعة التي قد تنقذها من خطأ قاتل , لكن الحرب الراهنة لا تسأل عن الأفضل في المطلق، بل عمن يحتمل أكثر في لحظة بعينها، وقد جاءت الإجابة حتى الآن لصالح من لا تحكمه مواعيد الاقتراع.
وعلى هذا، فإن ما ينبغي أن يقلق واشنطن وتل أبيب هو ما يُنسج في الظل خلف دخان المعارك، لا عدد الصواريخ المتبقية في المخازن الإيرانية، أي هل الوقت الذي يحسبونه كافياً لحسم المعركة هو ذاته الوقت الذي تحتاجه طهران لإتمام نسيجها؛ فالحائك الذي صمد كل هذه الأشهر لا يلزمه أن ينتصر في كل عقدة، يكفيه أن يبلغ نهاية السجادة قبل أن يدرك الآخرون الصورة التي كانت تتشكل أمام أعينهم، وقد لا يفصله عن ذلك سوى شهرين.