د. كريم نوري عبد الله الدليمي
“المدرسة التي تهمل اليوم – هي مستقبل يتعثر غداً”
يشكل التعليم الأساس الذي تقوم عليه نهضة الأمم وتطورها، فهو الوسيلة الأهم في بناء الانسان وتنمية قدراته واعداده للمشاركة الفاعلة في المجتمع، وتعد المرحلتان –الابتدائي والثانوي- من المراحل التعليمية المهمة في حياة الفرد، لما لهما من دور أساسي في ترسيخ المعارف والمهارات والقيم التربوية، وتكوين شخصية المتعلم علمياً وفكرياً وسلوكياً، وقد شهد نظام التربية والتعليم في العراق تحولات وتغيرات عديدة نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مر بها البلد، الامر الذي انعكس على مستوى المؤسسات التعليمية وادائها، وأصبحت الحاجة ملحة الى الوقوف على واقع المدارس الابتدائية والثانوية، والتعرف على طبيعة التحديات التي تواجهها، ومدى توافر المستلزمات والإمكانات الضرورية لإنجاح العملية التعليمية، ومن هذه المنطلق، تأتي أهمية تناول هذا الموضوع بهدف تسليط الضوء على واقع التعليم في العراق، والكشف عن ابرز نقاط القوة والضعف فيه، وبيان السبل بتطويره وتحسين مخرجاته بما ينسجم مع متطلبات العصر وتطلعات المجتمع العراقي:
يتوجب التحرك وبسرعة لأعادة بناء النظام التربوي والتعليمي وتجديد وتأهيله وتطويره؛ اذ هناك الكثير من الأسباب التي تدعونا الى التفاؤل بمستقبل التعليم في العراق ومنها: يمتلك العراق موارد الثروة المالية والبشرية ما يمكنه من دعم هذا القطاع، ومع ذلك لابد من القول مما لا شك فيه ان وزارة التربية والتعليم ستواجه تحديات كبيرة؛ يعد قطاع التربية والتعليم احد اهم أدوات التنمية المجتمعية ووسائل صناعة نهضة البلد وتطوره كونه يمثل مصنع العقول المفكرة والمبدعة التي تصنع التغيير، ولا شك في أن هذا القطاع، كبقية القطاعات الأخرى، قد طاله العجز في التخطيط العلمي المدروس، وشابته ممارسات سلبية افضت الى تدهوره وبروز العديد من القضايا والتحديات في إعادة الاعمار والتطوير في العراق، وتبقى مشاكل التربية والتعليم عديدة ومتنوعة بعضها موروث عن الفترات السابقة والبعض الاخر بسبب أساليب التعليم القديمة التي لم تستطيع الأجهزة التربوية والتعليمية الخروج منها حتى الان، وهناك اراء تتراكم حول مجمل المسائل التربوية والتعليمية وتتجمع من حولها وجهات النظر المختلفة، وقد يكون من المفيد وجود التباين في مداخل البحث عن الحاجة الملحة للتطوير والتحديث وكيفية تدارك وتجاوز نقاط الضعف وعناصر الخلل ومنهجية معالجة الإشكاليات المحيطة والمتصلة بهذا الشأن، لكن يبقى من المفيد جداً دراستها ضمن الواقع الاجتماعي والثقافي لبلدنا.
-العوائق والسلبيات:
-غياب التخطيط الاستراتيجي للنظام التربوي والتعليمي، والتخبط بتغيرات سريعة وعشوائية مرتجلة.
-قلة اعداد المدارس مما حدى بوزارة التربية الى جعل الدوام، في المتبقي منها، دواماً (ثنائياً أو ثلاثياً أو حتى رباعياً)، في بعض المناطق.
-تقليص الدعم الحكومي لهذا القطاع مما أدى الى ما يقارب (80%)، من نسبة المدارس في عموم محافظات العراق حوالي 12000، مدرسة بحاجة لترميمات ودعم ابنيتها.
-اكتظاظ القاعات الدراسية بأعداد كبيرة من الطلبة تفوق الطاقة الاستيعابية لها من حيث العدد النموذجي لكل قاعة.
-تقليص عدد الساعات الدراسية بسبب ازدواجية او ثلاثية المدارس مما أدى الى تدني المستوى التربوي والعلمي والتعليمي للطلبة.
-تدني المستوى الثقافي لدى معظم المعلمين والمعلمات والطلبة على حد سواء جعلت من أساليب التلقين والحفظ في العملية التعليمية هي السائد في مدارسنا العراقية.
-تراجع نسبة المنخرطين من الأطفال بنين وبنات في منظومة التعليم وتسرب، البعض من المدارس في مراحل مبكرة وعزوفهم عن التعليم وتجه العديد منهم للعمل او التسول، كل ذلك بسبب الحروب والأوضاع الأمنية المتدهورة والظروف الاقتصادية الصعبة التي مر بها العراق لمراحل متعددة.
-سوء الأوضاع الاقتصادية للمعلمين والمعلمات والإحباط في نفوسهم بسبب ضعف مرتابتهم مما أدى الى عدم الجدية وعدم الاهتمام بالمنظومة التعليمية.
-تفشي البيروقراطية في معظم الإدارات المدرسية التي تخلت عن دورها القيادي التربوي والتعليمي، وغياب المتابعة الرقابية للمدارس من قبل الإدارات العليا مما أدى الى التسيب الفوضى.
-ضعف الاشراف التربوي في توجيه المعلمين وتدريبهم وذلك بسبب سوء تأهيل المشرف التربوي اساساً وافتقاره للأسس التربوية الحديثة في المتابعة.
-ضعف الحوار ولاتصال ما بين المدرسة إدارة وهيئة تعليمية ، والاباء والامهات مما أدى الى تجاهل مشاكل الطلبة واهمال معاناتهم.
-استخدام الوسائل والأساليب القديمة في عمليات قياس وتقييم الطلبة ومدى استيعابهم للمواد الدراسية المختلطة.
-ارتفاع نسب الرسوب وإعادة السنة الدراسية لأسباب مختلفة منها اجتماعية واقتصادية وغيرها.
-تفشي ظواهر الرشوة والمحسوبية في العملية التربوية والتعلمية المتهرئة اصلاً ، مما أدى الى نخر ما تبقى منها، واستفحال ظواهر الغش لدى الطلبة والتساهل معها وعدم رفضها اجتماعياً: كذلك التأييد والمطالبة من قبل المجتمع بضرورة إقرار الدور الثالث في الامتحانات هذا ما ينعكس سلباً على رصانة التعليم.
-غياب المكتبات والمختبرات العملية والقاعات والمساحات اللاصفية في معظم المدارس.
-وفي ما يلي بعض المقترحات والحلول للنهوض بهذا القطاع المهم:
1-تحديث النظام التعليمي وإعادة تفعيل قوانين التعليم الالزامي ومحو الامية.
2-التأكيد على إبقاء مجانية التعليم من خلال سن القوانين المعتمدة على المواد الدستورية التي تضمن حق المواطن العراقي.
3-اسناد المناصب المهمة في وزارة التربية ودوائرها ومديريات التربية بالمحافظات وادارات المدارس الى المتخصصين في هذا القطاع من هم الهاً لها.
4-تحديث المناهج التربوية والتعلمية وتفعيل الدروس التطبيقية للحصول على شباب مسلح بالعلوم المتقدم.
5-إعادة تأهيل وتدريب المعلمين والمعلمات وتكثيف الدورات التطويرية التي تعد واحدة من اهم الفروع في حقل التعليم.
6-الاهتمام بالمشرفين التربويين من خلال تدريبيهم على الاساليب الحديثة ورفع قدرتاهم في مجالات تخصصهم.
7-الاهتمام بالطلبة لا كونهم مستهلكين لجهود محددة في المدارس بل لا بد من الانشغال بهم بوصفهم طاقات يمكن توجيهها توجيهاً صحيحاً وصقل مواهبهم.
8-وضع الوسائل والطرائق الجديدة لقياس وتقييم استيعاب الطلبة للمواد الدراسية بما يتماشى مع اخر التطورات العالمية في هذا المجال.
9-السعي لسد الفجوة القائمة في قطاع التربية والتعليم في كافة محافظات العراق من حيث البنية التحتية من تأثيث – ونقص كتب –ومستلزمات مدرسية وتوفير المعلمين المتخصصين.
10-العمل على تعيين تربويين نفسانيين – في كل مدرسة لما أصاب أطفال العراق من مصائب واحداث أدت الى تغيرات سلبية في سلوكهم العامة والخاصة والتي تنعكس حتماً على مستوى تربيتهم وتعليمهم.
وفي الختام:
يمكن القول أن واقع التربية والتعليم الابتدائي والثانوي في العراق يعكس صورة متداخلة من التحديات والفرص، فهو قطاع يعد من اهم الركائز الأساسية لبناء المجتمع وتقدمه، لما له من دور محوري في اعداد الأجيال وصناعة مستقبل البلاد، وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتطوير المنظومة التعليمية، لا يزال التعليم العراقي يواجه العديد من الصعوبات، من بينها ضعف البنية التحتية للمدارس، واكتظاظ الصفوف، ونقص المستلزمات التعليمية، الى جانب الحاجة الى تطوير المناهج الدراسية والارتقاء بمستوى أداء المعلمين وتحسين أساليب التدريس والتقويم.
ومن هنا فان النهوض بواقع التربية والتعليم في العراق يتطلب رؤية إصلاحية شاملة تقوم على التخطيط السليم، وزيادة الدعم المالي، وتوفير بيئة تعليمية مناسبة والاهتمام بالمعلم بوصفه حجر الأساس في العملية التربوية، فضلاً عن مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية الحديثة، كما أن تحقيق الإصلاح المنشود لا يقع على عاتق المؤسسات التعليمية، وحدها بل يتطلب تضافر جهود الدولة ولأسرة والمجتمع.
وبناءً على ذلك فإن الاستثمار في التعليم ليس مجرد أنفاق على قطاع خدمي، بل هو استثمار في الانسان وفي مستقبل العراق بأكمله، فبالعلم الجيد تبنى العقول وتصنع الكفاءات وتتحقق التنمية، ويمهد الطريق نحو عراق أكثر تقدماً وازهاراً وتنمية.
وبدورنا نقول: (أن نهضة العراق الحقيقية تبدأ من المدرسة، فحين نحسن تربية الأجيال وتعليمها، فأننا لا نبني حاضراً فحسب، بل نصنع مستقبلاً يليق بتاريخ هذا الوطن وطموحات أبنائه).