ملايين للمؤتمرات والمهرجانات… وملايين العراقيين ينتظرون لقمة العيش!

الصحفي والمحاعرفان الداوودي

في الوقت الذي يعاني فيه المواطن العراقي من أزمات اقتصادية ومعيشية وخدمية، وتعيش شرائح واسعة من أبناء شعبنا تحت ضغط الفقر والبطالة وارتفاع تكاليف الحياة، تطالعنا أخبار المهرجانات الفنية والمؤتمرات العربية واللقاءات الثقافية والإعلامية، التي تستضيف فنانين وأدباء وكتاباً وصحفيين ومسؤولين من مختلف الدول العربية، وسط مظاهر من البذخ والإنفاق على الفنادق الفخمة والولائم والهدايا والضيافة والسفر والمخصصات.

وهنا يحق لنا، بوصفنا مواطنين وإعلاميين، أن نطرح سؤالاً وطنياً وأخلاقياً وقانونياً: هل أصبحت أولوية المؤسسات العراقية تنظيم المهرجانات والمؤتمرات واستضافة الوفود، أم معالجة معاناة المواطن وتوفير احتياجاته الأساسية؟

لسنا ضد الثقافة والفن والأدب، ولسنا ضد التواصل مع الأشقاء العرب، فالعراق كان وما زال جزءاً أصيلاً من محيطه العربي، وشعبه يكن الاحترام لكل الشعوب التي وقفت معه بصدق. لكننا نرفض أن تتحول الضيافة إلى استعراض مالي، وأن تُصرف الأموال بلا شفافية أو تقييم للعائد الثقافي والوطني، بينما هناك عائلات عراقية تبحث عن قوت يومها، وشباب ينتظرون فرصة عمل، ومرضى ينتظرون العلاج، ومدارس ومناطق بحاجة إلى الخدمات.

أين الأولويات؟ وأين العدالة في توزيع المال العام؟

إن إقامة مؤتمر لجامعة عربية، أو مهرجان للفنانين، أو اجتماع لنقابة الصحفيين العرب، أو لقاء للأدباء والكتاب، أو قمة عربية، ليست جريمة بحد ذاتها، بل قد تكون لها فوائد سياسية وثقافية وإعلامية. لكن السؤال الجوهري هو: من يتحمل تكاليفها؟ وما حجم الأموال التي صُرفت؟ وهل خضعت العقود والمخصصات للرقابة والتدقيق؟ وما النتائج التي تحققت للعراق والمواطن العراقي مقابل هذه النفقات؟

إن المال العام ليس ملكاً للمسؤول، ولا ميزانية مفتوحة للمجاملات السياسية والاجتماعية، بل هو أمانة وحق للشعب، ويجب أن يخضع لمبادئ المشروعية والشفافية والكفاءة والمساءلة.

والذاكرة العراقية لا يجوز أن تكون قصيرة!

في عام 2003 تعرض العراق لغزو عسكري قادته الولايات المتحدة الأمريكية بمشاركة دول من التحالف، وأدى إلى إسقاط النظام السياسي آنذاك وفتح مرحلة طويلة من الحروب والاضطرابات والدمار. ولا يمكن أن نتحدث عن تلك المرحلة من دون استحضار المواقف العربية الرسمية والشعبية والإعلامية التي رافقتها.

ومن حق العراقيين أن يسألوا: أين كانت مواقف المؤسسات الثقافية والإعلامية العربية؟ وأين كانت أصوات الفنانين والأدباء والكتاب والشخصيات العامة الرافضة للحرب؟ ومن وقف بوضوح إلى جانب حق الشعب العراقي في الحياة والسيادة والاستقرار؟

لا يجوز أن نضع جميع العرب في موقف واحد، فقد كانت هناك أصوات عربية رافضة للحرب ومتضامنة مع الشعب العراقي، لكن من حقنا أيضاً أن نطالب بتوثيق المواقف التي أيدت الغزو أو بررت الاحتلال أو ساندت إسقاط الدولة العراقية، وأن نناقشها بصراحة ومسؤولية.

إن استضافة الوفود العربية اليوم لا تعني مطالبة العراقيين بنسيان ما جرى بالأمس، ولا تعني أن تتحول المهرجانات والولائم إلى بديل عن الاعتراف بالمواقف التاريخية أو التضامن الحقيقي مع ضحايا الحروب والإرهاب.

من الزاوية القانونية: المال العام أمانة وليس امتيازاً

إن الدستور العراقي وضع مبادئ أساسية تتعلق بحماية المال العام وتحقيق العدالة الاجتماعية، وأكد في المادة (30) مسؤولية الدولة عن ضمان الضمان الاجتماعي والصحي ومقومات العيش الكريم للعراقيين.

كما أن المادة (27) نصت على أن للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن.

وبالتالي، فإن أي إنفاق حكومي أو مؤسسي يجب أن يستند إلى تخصيص قانوني، وأن يكون خاضعاً للرقابة والتدقيق، وأن تتناسب كلفته مع أهدافه ونتائجه. ولا يجوز أن تتحول الأموال المخصصة لخدمة المجتمع إلى نفقات للمجاملة أو الهدر.

ومن هنا نطالب الجهات الرقابية المختصة، وفي مقدمتها ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، بممارسة دورها في تدقيق أوجه الإنفاق على المؤتمرات والمهرجانات والقمم والفعاليات العربية، وإعلان الكلف ومصادر التمويل والجهات المستفيدة والنتائج المتحققة، واتخاذ الإجراءات القانونية إذا ثبت وجود مخالفة أو هدر أو فساد.

لسنا ضد العرب… بل مع كرامة العراق وحقوق العراقيين

إن العراق ليس بلداً فقيراً في تاريخه ولا في ثقافته ولا في رجاله ومبدعيه، وليس بحاجة إلى أن يشتري الاحترام بالهدايا والولائم والمجاملات. العراق يستحق علاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والمواقف الصادقة.

نحن مع استقبال كل فنان وأديب وصحفي ومسؤول عربي يحمل رسالة محبة وتعاون، لكننا نريد أن تكون أبواب العراق مفتوحة للتعاون الحقيقي، لا أن تكون خزينة الدولة مفتوحة للإنفاق غير المبرر.

فما قيمة مؤتمر تتردد أصداؤه في الفنادق والقاعات، إذا لم يصل أثره إلى المواطن؟ وما قيمة مهرجان تُنفق عليه الأموال، فيما لا يجد المواطن فرصة عمل أو علاجاً مناسباً أو خدمة أساسية؟

إن كرامة العراق تبدأ من كرامة مواطنه، واحترام العراق لا يُقاس بعدد الوفود التي يستضيفها، ولا بفخامة الفنادق التي ينزل فيها الضيوف، بل بقدرته على حماية حقوق شعبه وصيانة ثرواته.

إننا لا نطالب بإغلاق أبواب العراق أمام الأشقاء، بل نطالب بفتح أبواب العدالة أمام العراقيين أولاً.

فالعراق ليس فندقاً كبيراً للضيوف، وليس قاعة مؤتمرات، وليس ميزانية للولائم والمجاملات؛ العراق وطن شعب يستحق أن تُصرف ثرواته على حياته ومستقبله وكرامته.

ويبقى السؤال الذي نضعه أمام الحكومة والمؤسسات المنظمة والجهات الرقابية: كم أنفقتم على المؤتمرات والمهرجانات؟ وكم أنفقتم على الإنسان العراقي .

قد يعجبك ايضا
∧